تُبْصِرُونَ هذا الملك الطويل العريض، وهذا من جهله البليغ، حيث افتخر بأمر خارج عن ذاته، ولم يفخر بأوصاف حميدة، ولا أفعال سديدة" [1] ."
لقد اختار فرعون لنفسه بنفسه، بكامل إرادته ووعيه ...
اختار منهجه في الحياة ... ومنهجه في الحكم ...
أعتقد أن فرعون كان طموحا ً، طموحا ً جدا ً ....
لم يختر لنفسه مجرد الكفر ... ولا مجرد العلو ...
لقد اختار أكفر الكفر ...
وأعتى العلو ...
لم يقنع بمنصب الحاكم، ما كان هذا ليشبع طموحه ...
ما كان هذا ليشبع غروره ...
لقد اختار أن يكون إلهًا!!
قال الفيروزأبادي:"وقد صدر منه - أي فرعون - ما لَمْ يَصْدُر من أَحَدٍ من الكُفَّار والمتمرِّدين، ولا من قائِدهم إِبْليس، منها: إِنكارُ العبوديّة ودَعْوَى الرُّبُوبِيّةِ بقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} ، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ اله غَيْرِي} " [2]
ولم تكن هذه هى النهاية، بل كان لهذا العلو توابع ...
توابع غير حميدة، فلقد اختار الإجرام والفساد في الارض ...
قال تعالى {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4] لاحظ لم يأت التعبير القرآني بلفظ فاسد - وهو فاسد بلا مراء - ولكن جاء التعبيرى القرآني بلفظ (مفسد) وهذا من دقة اللفظ القرآني، لقد اختار هذا الطاغية منهجية الإفساد في الأرض لتكون دستور حكمه، فمثل هذه الشخصية المريضة بداء الفساد لا تستطيع أن تعيش في جو صحي أبدا ً، فلابد من إفساد البلاد، وإفساد العباد.
إن دقة التعبير القرآني المبهر تغوص بك من بلاغة التركيب إلى بلاغة الدلالة اللفظية، فجملة {مِنَ الْمُفْسِدِينَ} تضيف لنا معنىً جديدًا ألا وهو تمكن الفساد وتجذرة في أعماق هذا الطاغية.
يقول ابن عاشور:"وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ عَلِمْتَ مِمَّا مَضَى عِنْدَ قَوْلِهِ {قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} فِي سُورَة الْبَقَرَةِ [67] أَنَّ الْخَبَرَ بِتِلْكَ الصِّيغَةِ أَدَلُّ عَلَى تَمَكُّنِ الْوَصْفِ مِمَّا لَوْ قِيلَ: أَنْ أَكُونَ جَاهِلًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ دَالٌّ عَلَى شِدَّةِ تَمَكُّنِ الْإِفْسَادِ مِنْ خُلُقِهِ وَلِفِعْلِ الْكَوْنِ إِفَادَةُ تُمَكُّنِ خَبَرِ الْفِعْلِ مِنِ اسْمِهِ. فَحَصَلَ تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى تَمَكُّنِ الْإِفْسَادِ مِنْ فِرْعَوْنَ" [3] .
(1) ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:717.
(2) ) بصائر ذوي التمييز: 6/ 69.
(3) ) التحرير و التنوير:20/ 68.