للشر والفساد" [1] ."
بعد هذا التمهيد نبحر مع معاني الآيات ....
قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآيات الكريمات:" {تِلْكَ} الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم {آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد، ووضحها."
ومن جملة ما أبان، قصة موسى عليه السلام وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في هذا الموضع فقال: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ} فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب.
{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان، ما يقبلون به على تدبُّر ذلك، وتلقِّيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به إيمانًا ويقينًا، وخيرًا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا إقامة الحجة عليهم، وصانه اللّه عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابًا أن يفقهوه" [2] ."
هكذا كان مطلع سورة القصص، أتى بالتمهيد لقصة موسى عليه السلام، ومواجهتهه لرأس الكفر والطغيان، فرعون.
إن مفتاح القصة ورد في الآية الأولى التى ذكرت في هذا الموضع: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} [القصص:4] ، هذا العلو هو السمة البارزة لهذه الشخصية الغريبة الشاذة ...
هذا العلو كان هو القائد والمحرك الفعلي لمجريات الأحداث ...
لقد اعتلى فرعون عرش مصر، وما أدراك ماعرش مصر؟!
في هذا الزمان الغابر كانت مصر من أعظم الدول في العالم، إن لم تكن أعظمها على الإطلاق، قال محمد ابن عاشور رحمه الله عن معنى {الْأَرْضِ} في قوله تعالى {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ} [القصص:4] :"كَانَ مُلْكُ فِرْعَوْنَ مُمْتَدًّا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ مِنْ حُدُودِ نَهْرِ (الْكَنْكِ) فِي الْهِنْدِ إِلَى نَهْرِ (الطونة) فِي أوروبا، فَالْمَعْنَى أَرْضُ مَمْلَكَتِهِ، وَكَانَ عُلُوُّهُ أَقْوَى مِنْ عُلُوِّ مُلُوكِ الْأَرْضِ وِسَادَةِ الْأَقْوَامِ" [3] .
لقد أصيب فرعون بعدوى الكرسي ...
فأثر الكرسي في عقله وفي روحه ...
لقد كان هذا الاعتلاء مبررا ً قويًا - في عقله السقيم - للعلو على خلق الله، ولقد صرح هو بذلك فقال {يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] ، قال السعدي رحمه الله" {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ} مستعليًا بباطله، قد غره ملكه، وأطغاه ماله وجنوده: {يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} أي: ألست المالك لذلك، المتصرف فيه، {وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} أي: الأنهار المنسحبة من النيل، في وسط القصور والبساتين. أَفَلا"
(1) ) في ظلال القرآن:2674،الجزء:5.
(2) ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان:661.
(3) ) التحرير و التنوير:20/ 67.