وما أمر حاشية السوء لفرعون العصر وأبناءه عنا ببعيد، وكيف كانت الدولة تدار من قبل هؤلاء الملأ، فكانت الدولة كلها مسخرة لأهواء وأطماع وشهوات ونزوات هذه الفئة الباغية ...
والفارق بينهم وبين الملأ الأول أن السابقين كان إلههم هو فرعون نفسه ....
أما اليوم فإلههم هو المال ...
وفرعون ما هو إلا وسيلة للتقرب لهذا الإله ...
نعم لا تعجب، لقد أخبرنا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - عن هؤلاء الذين عبدوا المال فقَالَ: (( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ ) ) [1]
فهؤلاء لا يعرفون إلا إلههم، يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه ...
فإذا هلك فرعون لا تهلك معه الملأ ....
بل يغيرون جلودهم وأقنعتهم، ويتحولون إلى أتباع الحاكم الجديد ...
فلو قام فرعون جديد، كانوا أتباعة المخلصين ...
ويهتفون مات الملك .. عاش الملك ...
وإن أطاحت بفرعون ثورة ...
كانوا هم قادة الثورة وطليعة الفتح الثوري ...
وصدق رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: (( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ) ) [2]
وبالطبع كانت اليد الباطشة لهذا الطاغية هم الجنود، وهل هناك طغيان بغير جنود؟!
لقد صدَّر فرعون مذهب الفساد لمن حوله، وبالطبع كان مفتاح الاقتراب من هذا الفاسد المفسد أن تكون مبدعا ً في الفساد، وكلما علت الهمة في الفساد كان العلو والسيادة في هذه المنظومة ...
إن أعوان فرعون وجنود فرعون لم يكونوا مجبرين، لم يكونوا مقهورين، لقد اختاروا بكامل إرادتهم أن يكونوا طغاةً كمولاهم ...
لذا كان الذم لهم كما كان لفرعون ...
(1) ) البخاري: 2887،قال الحافظ بن حجر:"قوله عبد الدينار أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده، قال الطيبي قيل خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لايجد خلاصا ولم يقل مالك الدينار ولا جامع الدينار لان المذموم من الملك والجمع الزيادة على قدر الحاجة"ثم قال رحمه الله:"وإذا شيك فلا انتقش: أي إذا أصابته شوكة فلا وجد من يخرجها، والانتقاش إخراج الشوكة من الرجل وأصله من المنقاش الذي يستخرج به" (فتح الباري:11/ 254 - 255) .
(2) ) البخاري: 3484.