نشر صاحب الزنجي دعوته بين هؤلاء العبيد الذين كانوا يعملون طوال النهار في استصلاح الأراضي المالحة الممتدة بين البصرة واسط، وكانوا يعيشون في ظروف سيئة إذا كان غذاؤهم يقتصر على قليل من التمر والدقيق، ولم يكن لهم معرفة ولا ثقافة، وادعى صاحب الزنجي النبوة، والعلم بالغيب، وأن العناية الإلهية قد أرسلته ليخلص الزنجي مما هم فيه من بؤس وشقاء، ودعا إلي إعادة الشريعة الإسلامية إلي ما كانت عليه في صدر الإسلام، ولقيت دعوته قبولا لدى الزنجي، وبعد أن اجتمع له كثير منهم بدأ في شن الغارات على البلاد الواقعة جنوب العراق مثلا الأبله والقادسية والأهواز وواسط، ولم يكتف بذلك بل استطاع الاستيلاء على البصرة في الثالث عشر من شوال سنة 257 هـ [1] .
وأمام التقدم المستمر لثورة الزنجي استدعى الخليفة المعتمد أخاه أبو أحمد طلحة الموفق من مكة لحرب الزنجي، فتوجه إلي واسط في ربيع الأول سنة 267 هـ / أكتوبر 880. وبعد ثلاث سنوات من الجهاد المستمر استطاع الموفق (السفاح الثاني) الاستيلاء على المدينة المختارة عاصمة الزنجي وقاعدة ثورتهم وقتل صاحب الزنجي يوم السبت الثاني من صفر سنة 270 هـ/ 10 أغسطس 883 م، وتلقب الموفق بعد هذه الثورة بالناصر لدين الله بل صدر له دينار مكتوب عليه هذا اللقب، بعد أن استمرت هذه الفتنة المدمرة أربعة عشر عامًا وأربعة أشهر وستة أيام من الفساد والقتل، حيث بلغ عدد القتلى من المسلمين على يد الزنجي مليون ونصف المليون [2] .
أراد صاحب الزنجي أن يؤسس في البلاد التي استولى عليها كيانًا شرعيًا مستقلا عن الخلافة العباسية أثناء ثورته (255 ـ 270 هـ/ 869 ـ 883 م) فقام بضرب النقود، ومنها دينار وهو محفوظ بالمتحف البريطاني بلندن، وبياناته كالتالي:
الوجه: مركز: لا إِله إِلا الله
الله وحده
لا شريك له
(1) رسالة ماجستير (حركة الزنجي وأثارها في تاريخ الدولة العباسية) ، فيصل جريء سامر، ص 16 و 22، ودروس التاريخ الإسلامي وأحوال الدول العربية، يحيى الدين الخياط، ج 4 ص 271، تاريخ عصر الخلافة العباسية، يوسف العش، ص 121.
(2) نهاية الأرب في فنون الأدب، النوير (ت 733 هـ) ، ج 25 وج 22 ص 104، 121، 180، و نظم الحكم في الدولة العباسية، صفاء حافظ عبد الفتاح، ص 186، والنفقات وإدارتها في الدولة العباسية من (132 ـ 334 هـ) / (749 ـ 945 م) ، ضيف الله يحيى الظهراني، ص 342، الدينار الإسلامي، ناصر السيد محمود النقش بندي، ج 1 ص 49، الكامل في التاريخ، ابن الأثير، م 7 ص 252.