وعليه فإن المروي منها عن السلف يجيء ويتخرّج على ذلك، فإن أكثره مما تلقوه عن أهل الكتاب وحفظوه منهم، فليس ينبغي القطع بردّه وبطلانه إذا كان سنده محتملًا للقبول، بل الواجب النظر في متونه وعرضها على نظائرها مما ورد في شرعنا، فما لم يعارضه صحيح وإلا فلا.
ولا ريب أن السلف لم يكونوا يستحلون روايته للناس وفيه مناقضة لشرعنا، أو ما يقطع العقل ببطلانه، فلا يُتصور إلا أنهم فحصوا عنه.
وثمَّ أصل آخر ينبغي أن يُتَفَطَّن له، وهو أن أخبار الفتن والملاحم من المتشابه الذي يجب الإيمان به، والكفُّ عن الخوض في تأويله وتكلّف المعاني له وتنزيله على الواقع، كما هو صنيع بعض الخرّاصين من المعاصرين، الذين يتكلفون حمل بعض هذه النصوص على معيّن أو حادثة، دون علم أو بيّنة، بل بمحض الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، كما حمل بعضهم الأخبار الواردة في الخارج السفياني على صدام حسين أو غيره! ثم ظهر كذب تأويلهم وأفتضح أمرهم.
وذلك أن كثيرًا منها قد لا يتأتى تأويله إلا بوقوعه، إلا إن كان هناك أمارة أو قرينة ظاهرة تعيّن المراد، كما وقع في خبر الكذاب والمبير اللذين أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهما في ثقيف، فتأولها بعض السلف كابن عمر وأسماء وغيرهما على الحجاج والمختار.
ومثل الخبر الوارد عند البخاري في النار التي تخرج من الحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببُصرى الشام، وقد حمله الحافظ أبو شامة المقدسي في (الذيل على تاريخ الروضتين) [5/ 292 - 293] وتبعه العماد ابنُ كثير في (الملاحم) [1/ 26 - 27] على ما وقع سنة (654) من خروج نار بالحجاز بمدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، استمرّت شهرًا، وكان الناس بتيماء يسيرون على ضوئها بالليل، وأن قاضي القضاة بدمشق صدر الدين علي بن القاسم الحنفي أخبر عن والده الشيخ صفي الدين مدرّس الحنفية ببُصرى، أنه أخبره بعض الأعراب ممن كان ببُصرى، أنهم شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي بالحجاز.
وأصل ثالث وهو أن من السنن والمرويات ما يُحتاج لفهمه وعقل معناه، إلى عرضه على التاريخ، فليس ينبغي فهمه مجردًا عنه، وذلك أن التاريخ كان له كبير الأثر في وضع بعض الأخبار والأحاديث وافتعالها، لكن لا ينبغي الإسراف والغلو في ذلك، فإنه يفضي إلى ردّ الآثار والأخبار الثابتة، كما وقع من بعض المعاصرين، ومنهم الأستاذ طاهر سليمان في كتابه عن (السيوطي حياته وعصره) [156] عند كلامه على أخبار السفياني وأحاديث الرايات السود، فإنه غلط في ردّها في الجملة، وحملها على أنه مما افتراه دعاةُ العباسيين للدعوة إلى قيام دولة بني العباس، فهذا ليس على إطلاقه كما يأتي.