الصفحة 19 من 30

أو ممن لم يسلم من أهل الكتاب، أو بالمطالعة والنظر في صحفهم التي تقع لهم، كما وقع لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فإنه أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك، فكان يروي منها ما غلب على ظنه صدقُه وامتناعُ كذبه.

وكما وقع لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فيما رواه أبو بكر بن أبي شيبة [26421] وغيره أنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقال: يا رسول الله إني أصبتُ كتابًا حسنًا من بعض أهل الكتاب. فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (أمُتهوّكون فيها يا ابنَ الخطاب! فوالذي نفسي بيده لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقيةً، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتُكذّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتَّبعني) .

وهو خبر صحيح له طرق وألفاظ، استوعبتُها وخرّجتها رواية ودراية في جزءٍ مفرد، واستوعب طرقه من قبل الغماري في جزء (إظهار ما كان خفيّا من طرق حديث لو كان موسى حيّا) .

وفي البخاري [2685] عن ابن عباس قال: (يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أُنزل على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدثُ الأخبار بالله تقرؤُونه لم يُشَبْ؟ وقد حدَّثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب اللهُ وغيروا بأيديهم الكتابَ فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا! أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُساءَلتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلًا قطُ يسألُكم عن الذي أُنزِل عليكم) .

ولا معارضة بين هذا الأخبار، وبين ما صح عنه عليه السلام من الرخصة في الحديث والرواية عن أهل الكتاب، فإن هذا إنما هو حيث لا مناقضة بين مروياتهم وما جاء به شرعنا، فإن أخبارهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يؤمن كذبهم فيه فيما رووه، ويُتيقن صدق حديثهم، فهذا مقبول وهو الذي أذن الشارع فيه بالحديث والرواية عنهم.

الثاني: عكسه، وهو مردود، وعليه يُحمل النهي الوارد عن النظر في صحفهم والرواية عنهم.

الثالث: أن لا يتبيَّن صدقه من كذبه، فهذا الذي جاء به الخبر أن يروى لكن لا يُصدَّقون فيه ولا يُكذَّبون.

وأخبار الملاحم والفتن ما لم تكن بالمرفوع الثابت الصحيح، تتنزل على هذه الثلاثة الأقسام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت