الصفحة 18 من 30

فصل

في توجيه متون هذه الأخبار

اعلم أن الناس قد أكثروا من رواية الأحاديث والآثار في الفتن والملاحم، والحامل لهم على ذلك الولوع بالغرائب والعجائب من الأخبار، ولا سيما ما كان منها يختصُّ بآخر الزمان واقتراب نهاية الدنيا.

وأيضًا فإنه باب من العلم جليل عظيم الخطر، يحتاج إلى معرفته ولا يُستغنى عنه، لتحاشي مغبّة الولوج في الفتن، وقد كان من السلف من يعتني بدرايته وتحصيل أبوابه، حتى اشتهر بالعلم به دون أقرانه، كعلي وحذيفة وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم.

وامتدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن مسلمة رضي الله عنه بقوله: (لا تضرّه الفتنة) ولذا قال حذيفة: (ما أحدٌ من الناس تُدركه الفتنةُ، إلا أنا أخافها عليه، إلا محمد بن مسلمة) أخرجه أبو داود [4663] .

وضابط الأمر قول حذيفة رضي الله عنه: (الفتنة حق وباطل يشتبهان، فمن عرف الحقَّ لم تضرّه الفتنة) ذكره نعيم [132] .

وقد أسند الحافظ أبو بكر الخطيب في (الجامع) [1493] عن الإمام أحمد أنه قال: (ثلاثة كُتُب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير) .

قال الخطيب: (وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أن المراد به كتب مخصوصة، في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مُصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القُصاص فيها، فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة، غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية) .

وكثير مما روي في المرفوع من الفتن والملاحم، مما تُلقي عن أهل الكتابين، وغلط فيه من رواه مرفوعًا، وكذا ما يروى من آثار السلف فيها، فإن منه ما أخذوه عن أهل الكتاب، إما بالتلقي والسماع منهم كأبي هريرة وابن عباس وحذيفة وغيرهم ممن روى من بعض أهل الكتاب، سواء من أسلم منهم كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وابنه يوسف، أو كعب الأحبار وغيره كوهب بن مُنَّبه الذي جمع علم كعب وابن سلام، وأخيه همام، وكانا من فارس، وكان عندهما من علوم الأوائل كالفرس والهند وأهل الكتابين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت