والقرآن هدى ورحمة لمن آمن بالله وتابَع رسوله صلى الله عليه وسلم، وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون به، ومن جملتهم مَن آمن من بني إسرائيل [1] .
وقيل: إنه لهدًى (من الضلالة والغي والشُّبَه) ، ورحمة تثلج له صدورهم، وتستقيم به أمورهم الدينية والدنيوية (للمؤمنين) به المصدقين له، المتلقِّين له بالقَبول، المقبِلين على تدبُّره، المتفكِّرين في معانيه؛ فهؤلاء تحصل لهم به الهداية إلى الصراط المستقيم، والرحمة المتضمنة للسعادة، والفوز والفلاح [2] .
قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 52] .
قيل في تأويل هذه الآية الكريمة: إن الله تعالى يقول: أقسم يا محمد، لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب، يعني القرآن الذي أنزلته إليهم، يقول: لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن مفصلًا مبينًا فيه الحق من الباطل، على علم: يقول: على علم منَّا بحق ما فصل فيه من الباطل، الذي ميز فيه بينه وبين الحق، هدى ورحمة: يقول: بيَّناه ليهتدي ويرحم به قوم يصدقون به، وبما فيه من أمر الله ونهيه، وإخباره ووعده ووعيده، فيُنقذهم به من الضلالة إلى الهدى، وهذه الآية مردودةٌ على قوله تعالى: {كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2] .
{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} ، والهدى في موضع نصب على القطع من الهاء التي في قوله (فصلناه) ، ولو نصب على فعل فصلناه، فيكون المعنى: فصلنا الكتاب كذلك، كان صحيحًا، ولو قرئ (هدى ورحمةٍ) كان في الإعراب فصيحًا، وكان خفض ذلك بالردِّ على الكتاب [3] .
وهذه الآيات التي ذكرت تدل على أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يرحمنا ويهدينا ويعلمنا ويشفينا، فأنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القرآنَ الكريم، فينبغي على كل مسلم أن
(1) فتح القدير، محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني اليمني، ت: 1250 هـ، الناشر: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب دمشق - بيروت - الطبعة الأولى 1414 هـ، (ج 4/ ص 173) .
(2) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالله السعدي، ت: 1376 هـ، المحقق: عبدالرحمن بن معلا اللويحق، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000 م، (ج 1/ص 609) .
(3) تفسير الطبري، (ج 12 /ص 477) .