المناقشة:
مناقشة أدِلَّة القول الأول: القائل بعدم جواز الشهادة على المنتقبة:
ويُمكن أن يناقَش استدلالُهم بالقرآنِ، بأنَّ العِلْم حاصل بالشهادة على الشخص لا الوجه، فالشهادةُ هنا على اليقين لا على الظَّنِّ.
ونوقش استدلالهم بالحديث: «هَل تَرَى الشَّمسَ» بأنه حديث لا يصح؛ قال أبو محمد - ابن حزم: وهذا خبرٌ لا يصحُّ سندُه؛ لأنَّهُ من طريق مُحَمَّد بن سليمان بن مشمول- وهو هالك - عن عبيد اللَّه بن سلمة بن وَهرَامَ - وهو ضعيفٌ - لكنَّ معناه صَحيحٌ [1] .
وقال الزيلعي: قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجَاهُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبيُّ في"مُختَصَره"، فقال: بل هو حديثٌ وَاهٍ؛ فإن مُحَمَّد بن سليمان بن مشمُول ضعَّفه غير واحد، انتهى.
قُلتُ: رواه كذلك ابن عديٍّ في الكامل، والعقيليُّ في كتابه، وأعلَّاهُ بمحمَّد بن سليمان بن مَشمُولٍ، وأسند ابن عديٍّ تَضعيفه عن النَّسائي، وَوَافَقَهُ، وقال: عامَّة ما يرويه لا يتَابَعُ عليه، إسنادًا ولا متنًا، انتهى [2] .
وعلى فرض صحته -وهو صحيح المعنى- أن المعتبر في الشهادة اليقين وهو حاصل بالشهادة على المنتقبة المعروفة بشخصها.
وأما قياس الشهادة على المنتقبة على شهادة الأعمى والبصير في الظلمة أو من وراء حائل صفيق، وأنه لا يعتد بشهادتهم؛ لأن الأصوات تتشابه.
فالجواب: أن مَن أُشهدَ خَلفَ حَائطٍ أَو في ظُلمَةٍ فَأَيقَنَ بلاَ شَكٍّ بمَن أَشهَدَهُ فَشَهَادَتُهُ مَقبُولَةٌ في ذَلكَ [3] .
(1) "المحلى"؛ لابن حزم (9/ 434) .
(2) "نصب الراية لأحاديث الهداية"مع حاشيته"بغية الألمعي"في تخريج الزيلعي (4/ 82) .
(3) "المحلى"لابن حزم (9/ 434) .