الصفحة 15 من 33

الترجيح:

والذي أراه راجحًا في هذه المسألة - والله أعلم - هو قَبُول شهادة الأعمى على ما تيقنه، وهذا مما عرف من أدلة الشريعة ومقاصدها وقواعدها الكلية، ومحل القبول إذا تحقق الصوت ووجدت القرائن الدالة لذلك.

فقد أباح الشرع للأعمى أن يبيعَ ويشتري وينكح وغير ذلك، وهذه المعاملات الصادرة عنه مُعتبرة في الشرع غير مرفوضة، فمِنْ باب أوْلى قبول شهادته، وقد ذكر ذلك كثير من أهل العلم - رحمهم الله.

قال ابن حزم: ولو لم يقطع الأعمى بصحَّة اليقين على مَن يكلمه لما حل له أن يطأ امرأته، إذ لعلها أجنبيةٌ، ولا يعطي أحدًا دينًا عليه، إذ لعله غيره، ولا أن يبيع من أحدٍ، ولا أن يشتري، وقد أمر الله ? بقبول البينة، ولم يشترط أعمى من مبصرٍ وما كان ربك نسيًّا، وما نعلم في الضلالة بعد الشرك والكبائر أكبر ممن دان الله برد شهادة جابر بن عبد الله، وابن أم مكتومٍ، وابن عباسٍ، وابن عمر [1] .

وقال ابن العربي: المسالة الرابعة عشرة:

عموم قوله ?: {مِنْ رِجَالِكُمْ} يقتضي جواز شهادة الأعمى على ما يتحققه ويعلمه، فإنَّ السمع في الأصوات طريق للعلم؛ كالبصر للألوان فما علمه أداه كما يطأ زوجته باللمس والشم ويأكل بالذوق، فلم لا يشهد على طعام اختلف فيه قد ذاقه [2] .

وقال ابن القيم: دلت الأدلة المتضافِرة التي تقرب من القطع على قَبُول شهادة الأعمى فيما طريقه السمع إذا عرف الصوت [3] .

وقال أيضًا: الصحيحُ قبول شهادة الأعمى لتمْييزه بين الأشخاص بأصواتهم، كما يميز البصير بينهم بصورهم والاشتباه العارض بين الأصوات، كالاشتباه العارض بين الصور [4] .

(1) "المحلى"؛ لابن حزم (9/ 434) .

(2) "أحكام القران"؛ لابن العربي (1/ 333) .

(3) "الطرق الحكميَّة" (1/ 303) .

(4) "مفتاح دار السعادة" (1/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت