الصفحة 14 من 33

والتعبير بـ (ذلك) لنعيم الجنة وجحيم النار مع العلم أنهم يشاهدون ذلك والمقام هنالك يقتضي ان يكون التعبير بـ (هذا) ، ولكن هذه بلاغة القران الكريم والسبب في ذلك هو لتعظيم المشار إليه وكذلك إنزال غير المشاهد منزلة المشاهد.

جاء في كتاب الكليات: {الأصل في اسم الإشارة أن يشار به إلى محسوس مشاهد قريب أو بعيد وإن أشير إلى ما يستحيل إحساسه نحو ذلكم الله} أو إلى محسوس غير مشاهد نحو {تلك الجنة} ؛ لتصييره كالمشاهد )) (97) .

ويأتي اسم الإشارة (ذلك) ويشار به إلى كلام سابق، وهو كثير في القران الكريم، جاء في توضيح المقاصد: أن التعبير بـ (ذلك) عن مضمون كلام على أثر انقضائه شائع في القرآن وغيره (98) ، وهنا ينزل منزلة المشار إليه غير المحسوس، جاء في التحرير والتنوير: (( والإشارة بقوله: {ذَلِكَ} إلى مذكور في الكلام السابق، وهو أقرب مذكور، كما هو شأن الإشارة إلى غير محسوس، فالمشار إليه هو المذكور قبل ) ) (99) ، ففي قوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} (100) ، يقول ابن عاشور في تفسير ذلك: (( أو هو إتيان الرسل الذي جرى الكلام عليه في حكاية تقرير المشركين في يوم الحشر عن إتيان رسلهم إليهم، وهو المصدر المأخوذ من قوله: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم ْ} (101) ، فإنه لما حكى ذلك القول للناس السامعين، صار ذلك القول المحكي كالحاضر، فصح أن يشار إلى شيء يؤخذ منه )) (102) .

وفي قوله عز وجل: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ} (103) ، يعني: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله اللهُ حَسْرةً في قلوبكم خاصَّةً، ويصون منها قلوبكم، فجعل ذلك إشارة إلى القول والاعتقاد (104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت