ثم عليك أن تقرأ وأنت تمشي، وأنت في العملِ وأيضًا في تفكيرك فليكُنْ محصورًا في الآياتِ وتفسيرها وأسباب نزولها ومعانيها الفقهية وكيفية العمل بها.
وهل القراءة جهرًا أو سرًا? إذا كنت لوحدك في بيتك أو بحيث لا يسمعك أحد فاقرأ جهرًا، وإن كنت بين الناس فسرًا إلَّا أنه لابد من تحريك الشفتين واللسانِ، ولا يحزنك أن يقال عنك"غريب أو ماذا يفعل"فإننا في زمانٍ ليس بمستهجنٍ أم ترى رجلًا تتحرَّك شفتاه دون أن يكون أمامه أحدٌ، فإذا اقتربت منه رأيتَ الهاتف في جيبه والسماعة في أذنه ويتحدث طوال اليوم.
فكذا قارئ القرآن (وكانوا أحقَّ بها وأهلها)
وهل يشترط قراءة حزب أو عدد معين كل يومٍ?
اختلف الصحابة في ذلك فبعضهم كان يختم في ثلاثٍ كابن عمرو بن العاص وبعضهم في سبعٍ وبعضهم أكثر من ذلك وكلُّ امرئٍ بحسبِهِ
وعندما تقرأ عن ظهر قلبٍ قد تقف عند آية متشابهة فلا تستطيع مجاوزتها، فعندِئذ ترجع إلى مصحفك فتلاحظ الفرق بين المتشابهتين كآية الإسراء (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل .. ) ومثلها في الكهف (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) وقِسْ على ذلك في باقي السورِ، فإن هذا من رعاية الله لكتابهِ، أنَّك لابدَّ من مراجعته في المصحف، فلو كان سهل الحفظ دون تشابه لما كان في حفظه مشقة على المسلمين كافة، ولفاتت الحكمة من تميَّزُ الحفاظ والمواظبين على تلاوته.
ولمّا ترجم الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/ 48) للإمام وكيع بن الجراح قال:"الفَضْلُ بنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ أَكْثَمَ يَقُوْلُ: صَحِبْتُ وَكِيْعًا فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَكَانَ يَصُوْمُ الدَّهْرَ، وَيَخْتِمُ القُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ."
قُلْتُ: هَذِهِ عِبَادَةٌ يُخضَعُ لَهَا، وَلَكِنَّهَا مِنْ مِثْلِ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَثَرِيَّةِ مَفضُولَةٌ، فَقَدْ صَحَّ نَهْيُه - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - عَنْ صَومِ الدَّهْرِ، وَصَحَّ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُقْرَأَ القُرْآنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثٍ، وَالدِّيْنُ يُسْرٌ، وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ أَوْلَى، فَرَضِيَ اللهُ عَنْ وَكِيْعٍ، وَأَيْنَ مِثْلُ وَكِيْعٍ؟!""