الصفحة 5 من 24

وكان أكبرَ مفسدة الشركُ به سبحانه وتعالى، وهو أن تجعل مع الله الفرد الصمد إلها آخر، تعبده كعبادتك الله تعالى، طالبا منه النفع أو دفع الضر، مبتهلا إليه متوجها إليه بأعمالك الظاهرة من سجود ونذر وذبح وقسم، أو بأعمالك الباطنة من رهبة ورغبة وخشية وتوكل، فهذا والله هو الخسران المبين الذي ليس بعده خسران لمن كان له عقل (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (المائدة: 72) .

ومن تأمل شريعة الإسلام وما أتت به من الأحكام في مختلف الأبواب، يقف على سماحتها واعتنائها بجلب المصالح ودفع المفاسد، فأحكامها ميسرة على المكلفين، لا حرج فيها بل هي سمحة سهلة قال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج) (الحج: 78) ، قال العز بن عبد السلام:"... والشريعة كلها مصالح إما تَدرَأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيرا يحثك عليه أو شرا يزجرك عنه، أو جمعا بين الحث والزجر." [1]

ولكن الذي لا يعي مفهوم الأمر الإلهي، لا يرعى حدوده وحماه، فتراه يستثقل بعض الأحكام أو يستنكر حِكَمها أو يتعجب من الأخبار أو ينكر صدقها فلربما يرمي به عقله القاصر عن إدراك حقيقة خطاب الحق إلى النكير والجحد، أو السخرية والرد، فينبذ بذلك النصوص الثابتة المقطوع بها، نبذ جاهل أو نبذ كافر، فيوشك أن يقطع عروة إسلامه أو ينقض إسلامه بذلك.

لهذا الأمر الجلل والخطب الوجل، أردت أن أذكر نفسي وإخواني المؤمنين بالمراتب السبع الواجبات في أمر رب العالمين، التي من تعلمها فقد عقل ما أُمر به، ومن جهلها وقع فيما حذر منه، وهذه الشروط مستقاة من كلام الأئمة وأهل المعرفة في هذا الشأن، ممن تمعن في النصوص ونظر في العام والمخصوص، وسبر طرائق الكتاب والسنة، ونهج فهم سلف هذه الأمة، جاعلا نصب عينيه رضا الله تعالى واتباع الأثر، ولو خالفه جميع البشر، ومن بين هؤلاء العاملين الناصحين العالمين شيخ الإسلام ومجدد معالمه الإمام محمد بن عبد

(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (14) تحقيق محمود بن التلاميد الشنقيطي دار المعارف (بيروت - لبنان) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت