الثالث: فإذا انضمَّ إلى ذلك أنها سفعاء الخدين، والسفع قبح في الوَجه، وقد يكون خلقيًّا، وقد يكون بسبب كِبر سنِّها؛ دلَّ ذلك على أنه لا يصلح دليلًا لمن يقول بكشف المرأة لوجهها.
عن عطاء قال: قال ابن عباس: (ألا أريك امرأة من أهل الجنَّة؟ قلتُ: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنِّي أُصرع، وإنِّي أتكشَّف، فادع اللهَ لي، قال:(( إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك ) )، فقالت: أصبرُ، فقالت: إنِّي أتكشَّف، فادع الله لي أنْ لا أتكشَّف، فدعا لها)؛ رواه البخاري ومسلم.
الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: يجب على مَن يستدل بهذا الحديث أن يثبِت أن هذه المرأة لم تكن من القواعد حتى يَستقيم له الاستدلال، وهيهات.
الثاني: الأقوى عندي أنها كانت من القواعد، فقد قمتُ بإجراء عمليَّة حسابية في كتابي"الشهب والحراب"، وبيَّنتُ فيه أنَّ أقل تقدير يمكِن حسابه لعمر هذه المرأة حين رآها عطاء أكثر من (50 عامًا) ، وهي لا شك أكبر من ذلك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أنَّ امرأة من خثعم استفتتْ رسولَ الله في حجَّة الوداع يوم النَّحر، والفضل بن عباس رديف النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان الفضل رجلًا وضيئًا، فأخذ الفضل بن عباس يَنظر إليها، وكانت امرأة حسناء - وفي رواية:(وضيئة) - وتَنظر إليه، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بذقن الفَضل فحوَّل وجهه من الشقِّ الآخر)؛ رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الأولى: ليس في الحديث التصريح بأن المرأة كانت كاشفة الوجه واليد.
الثاني: على افتراض كَشف وجهها، فإنَّ المرأة كانت محرِمة، ويجوز للمحرمة أن تكشف وجهها، وأمَّا كون سؤالها كان بعد فَراغ النَّبي صلى الله عليه وسلم من رَمي الجمرة؛ فهذا لا يعني أن المرأة هي الأخرى فرغتْ من ذلك.