حتى إنها امتنعت أن تركب على البعير وقد أناخَه لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لغيرة الزبير؟ فكيف يقال: إنها لبست أمامَ رسول الله ثيابًا رقاقًا؟ إن هذا لعجب فعلًا.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه: (أنَّ امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئتُ لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسولُ الله، فصعَّد النظر إليها وصوَّبه، ثمَّ طأطأ رأسه، فلمَّا رأت المرأة أنه لم يَقْضِ فيها شيئًا جلست) ؛ رواه البخاري ومسلم والنسائي.
والجواب عن هذا الحديث من وجوه:
الأول: ليس في الحديث التنصيص أنَّ المرأة كانت كاشِفة الوجه صراحة، غاية ما فيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صعَّد النَّظر إلى المرأة، ولم يقل: إلى وجهها، ولو فُرض احتمال كشف وجهها لِيراها النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ فهذا لا يعني أن الصحابة صعَّدوا النَّظر هم الآخرون إلى وجهها، دون أن ينهاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، أو يأمرهم بغضِّ البصر.
الثاني: أنَّ هذه القصة لا يلزم منها وقوعها بعد نزول آيات الحِجاب؛ فإنَّه من المحتمل أن تكون قبل نزول آية الحجاب، وقد كان النساء كذلك كاشفات الوجوه، وعلى مَن يدَّعي أن هذه الحادثة وقعتْ بعد آيات الحجاب بيانُ الدليل، ومن المعلوم أن ما تطرَّق إليه الاحتمال بطَل به الاستدلال.
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خطب النِّساء يوم العيد فقال: (( تصدَّقن؛ فإنَّ أكثركن حطب جهنم ) )، فقامت امرأة من سِطة النِّساء - سفعاء الخدين - فقالت: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: (( لأنكنَّ تكثِرن الشكاية وتكفرن العشير ) )؛ رواه مسلم والنسائي.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: ظهور هذه المرأة السَّفعاء الخدين موافق للأصل الذي كان عليه النساء قبل نزول آيات الحجاب؛ فعلى مَن يدَّعي استمرارية العمل بكشف الوجه أن يثبِت ذلك، خاصَّة ومن المعلوم أنَّ صلاة العيد شرعتْ قبل نزول آيات الحجاب، فمن المحتمل أن تكون هذه القصَّة قبل آية الحجاب،"وما تطرَّق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال".
الثاني: من أين لِمن يستدل بهذا الحديث أنَّ هذه المرأة لم تكن من القَواعد؛ لأنَّه من المحتمل أنها كانت كذلك؟ وقد تقدَّم جواز وضع ثيابهنَّ.