-العذر الشاق: هذا القيد يبين لنا متى يكون الترخص، ومطلق العذر لا يكون سببًا للترخص، بل لا بد أن يكون شاقًّا.
الفرق بين الرخصة والعذر:
لم يفرِّق بين العذر والرخصة إلا القلةُ من العلماء، ومنهم الشاطبي، والغزالي، والأسنوي [1] ؛ لذا كان من الضروري أن نظهِر الفرق بينهما، حتى نستطيع أن نربط الفروع بأصولها بشكل علمي سليم.
فالعذر أعم من الرخصة؛ لأنه يشمل جميع العوارض التي تطرأ في حق المكلف بسبب الظروف والأحوال، ومن الأعذار ما يكون داخلًا تحت أصل الحاجيات الكليات؛ كالقراض مثلًا، فإنه شُرع لعذر في الأصل، وهو عجزُ صاحب المال عن الضرب في الأرض، ويجوز القراض حيث لا مشقة ولا عجز، وكذلك المساقاة والقرض السلم، فلا يسمى هذا كله رخصة.
ومن الأعذار ما يكون راجعًا إلى أصل تكميلي، فلا يسمى رخصة أيضًا؛ كصلاة المقتدي القادر على القيام خلف القاعد الذي لا يستطيع القيام، أما الرخصة فلا تكون إلا إذا كان العذر شاقًّا؛ كقصرِ الصلاة بسبب السفر؛ فالسفر عذرٌ فيه مشقة، فكان الترخص بقصر الصلاة بسببها.
ولزيادة توضيح هذه المسألة، نذكر مثالًا ذكره الشاطبي في موافقاته، وهو صلاة القائم خلف القاعد [2] ، من لا يقدر على القيام في الصلاة إلا بمشقة، رخص له الانتقال إلى الجلوس، فإن كان هذا المترخص إمامًا، فقد جاء في الحديث: (( إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به ... ثم قال: وإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون) [3] .
(1) الشاطبي، الموافقات، مصدر سابق، (ج 1، ص 302) ، والغزالي، المستصفى، مصدر سابق، (ج 1، ص 98) ، والبيضاوي، منهاج الوصول في علم الأصول، مصدر سابق، (ج 1، ص 95) .
(2) الشاطبي، الموافقات، مصدر سابق، (ج 1، ص 302) .
(3) أخرجه البخاري ومسلم (البخاري، صحيح البخاري، عالم الكتب، بيروت،(ج 1، ص 59) ، والنووي، صحيح مسلم بشرح النووي، مصدر سابق، (ج 4، ص 131، 132) .