5 -مستوى التواصل الداخلي، والتبادل الثقافي والعلمي، وإسهام الرحلات في ذلك ...
وتحقيقا لبعض مقاصد التأليف، ورغبة في إبراز القيمة المضافة لهذه الدراسة، حاولت أن أقوم بدراسة نقدية مقارنة لأهم ما كتب في الموضوع، مما تمكنت من الحصول عليه.
-فلقد أبدع الأستاذ محمد المنوني رحمه الله، رائد التحقيق والبحث المصدري بالمغرب، في كتابه"من حديث الركب المغربي"، الذي لا يستغني عنه باحث في التاريخ المغربي الوسيط عموما، والرحلات الحجية المغربية خاصة، لكن كما يظهر من العنوان، فالكتاب عني بالحديث عن ركب الحاج المغربي، أي الرحلة الحجية الجماعية المنظمة، ولم يهتم بالرحلات الفردية، ولا بالمحطات والمنازل، والحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والعلمية ...
-وأما الدكتور عبدالهادي التازي في موسوعته القيمة"مكة في مائة رحلة ورحلة"، فقد اتبع أسلوبًا علميًا سلسًا عند حديثه عن كل رحّالة من الرحالة المائة الذين أقام دراسته عنهم، واتسم هذا الأسلوب بسهولة العبارة والبساطة في عرض المعلومات دون الدخول في تعقيدات الألفاظ، حيث يذكر نسب الرحالة، وتاريخ ولادته، ونشأته، وتعليمه، وثقافته، ورحلته إلى مكة المكرمة، وطريقته في عرض مشاهداته وأوصافه عنها، وبمن التقى في مكة المكرمة من علمائها ووجهائها ورجالاتها ومدى استفادته منهم، مع تعليقات للمؤلف على رحلة هذا الرحالة أو ذاك، وما أضافه إلى أدب الرحلات، سواء في الأوصاف، أو الأسلوب الذي صيغت وفقه الرحلة، أو المنهج العلمي الذي اتبعه.
كما ذيّل المؤلف كتابه هذا بمسرد للرحلات الإضافية ضم عشرين رحّالة مغربيًا تحدث عن كل رحالة من هؤلاء بشكل مقتضب جدًا، ثم ألحق بكتابه كشّافًا عامًا للأعلام والمواضع والبلدان، وضمّنه مجموعة من الصور القديمة والخرائط عن مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
ونظرا لخصوصية الكتاب والغرض من تأليفه، فإن التفصيل في بعض الأمور لم يكن مقصودا من طرف شيخنا في هذا المجال، ولذلك فهو دراسة عن هذه الرحلات، وليست دراسة لها وبيان ما تناولته من أحداث ووقائع اقتصادية واجتماعية وسياسية ... بل التزمت الدراسة بالعنوان التزاما يقتضيه المنهج العلمي.
-أما الدكتور الحسن الشاهدي، في كتابه المتميز"أدب الرحلة بالمغرب في العصر المريني"، الذي يعد من فرائد الدرر في هذا المجال، خصوصا أنه عني بالعصر المريني، وهي دراسة لا يستفيد منه الأدب فحسب؛ بل يستفيد منها تاريخ العلوم، والتاريخ السياسي والحضاري، والكتاب حافل بالتراجم ...
ولقد تناول المؤلف الرحلة المغربية بصفة عامة، ونشأتها ودوافعها ومناهجها وأساليبها ومضامينها، وتحدث عن رحلات داخلية، منها رحلات ابن قنفد القسنطيني وأحمد زروق والنميري والكفيف الزرهوني،