الحكمة، نصح مرة قاضي مرو فقال: إذا أشكل عليك شيء من ذلك، فارحل إلى الكتاب والسنة والإجماع، فإن وجدت ذلك ظاهرًا، فاعمل به، فإن لم تجده ظاهرًا، فردَّه إلى النظائر، واستشهد عليه بالأصول، ثم اعمل بما كان إلى الأصول أقرب، وبها أشبه.
ومن كلماته:"كل شيء تكلم به، فعلى الرأس والعين، قد آمنا به، وشهدنا بأنه كذلك، ونشهد بأنه لم يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم يقل غير ما قاله الله، وما كان من المتكلفين؛ {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] ."
وفي هذا ردٌّ مفحِم على كل من اتهمه بأنه يقدم الرأي على النص، وهكذا ينبغي أن يكون سبيل الدعاة.
كان سريع البديهة، مفحِمًا في حواره، مدافعًا عن آرائه: دخل عليه الخوارج بسيوفهم يحتسبون الأجر عند الله بإغمادها في رقبته، فقالوا: جنازتان بالباب إحداهما لرجل شرب الخمر فمات سكران، والأخرى لامرأة حملت من الزنا فماتت في ولادتها قبل التوبة، أهما مؤمنان أم كافران؟ فسألهم: من أي فرقة كانا؟ أمن اليهود؟ قالوا: لا، قال: أمن النصارى؟ قالوا: لا، قال: أمن المجوس؟ قالوا: لا، قال: فممن كانا؟ قالوا: من المسلمين، قال: قد أجبتم، قالوا: أهما في الجنة أم في النار؟ قال: أقول فيهما ما قاله الخليل: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] ، وأقول كما قال عيسى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] فنكسوا الرؤوس وانصرفوا.
كان في وجهه أثر السجود، يقوم الليل ويحييه، يتزين للصلاة ولو كان وحده؛ فالله أحق أن يتزين له، قيل: إنه ختم القرآن سبعة آلاف مرة، وكان يتم في رمضان ستين ختمة: ختمة في بياض النهار، وختمة في سواد الليل، وكان يصلي العشاء والفجر بوضوء واحد أربعين عامًا، وهذا مع ما فيه من المبالغة يدل على عبادة الرجل، وتنسُّكه، وكثرة تلاوته للقرآن، وحرصه على قيام الليل، وهذا هو الزاد الضروري لكل الدعاة؛ فقد كان سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل حتى تتورم قدماه، وطالبه ربه مرارًا بذلك فقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] ، وقال له: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 1 - 4] ، وعلل ذلك بقوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] ، وبعد أن شهد الله له في