الفصل الثاني
طبيعة المدعوين
يتفرد الإسلام من بين الرسالات السماوية والأنظمة الوضعية بأنه دين عالمي الدعوة، ختم الله به رسالاته، ورضيه للناس دينًا يتسق مع الفطرة التي فطرهم عليها بلا فرق بين جنس ولون وعِرْق ولسان، وكلف بتبليغه كل من سمع عنه، أو آمن به، وخص العرب بمسؤولية خاصة تجاه ذلك، من حيث إن الوحي الخاتم نزل بلغتهم، فكان في ذلك شرف لهم، يترتب عليه عبء الدعوة إليه من منطلق فهمهم لمراد الله، ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 43، 44] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بلِّغوا عني ولو آيةً ) )؛ (صحيح البخاري) ، وقال: (( ليبلِّغ الشاهد منكم الغائب؛ فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ ) )؛ (صحيح البخاري) ، وقال: (( تَسمعون، ويُسمَع منكم، ويُسمَع ممن سمع منكم ) ) (سنن أبي داود) .
لهذا وجب على كل مسلم: أن يدعو إلى الله بالمنهج الذي رسمه الله؛ بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، إما على سبيل الوجوب العيني؛ وذلك في نطاق ما عُلِم من الدين بالضرورة، وهو ما يسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو صفة المجتمع الإسلامي، وهو مناط خيريته على الأمم، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] ، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] ، وإما على سبيل الوجوب الكفائي لمن يتفقه في الدين، ويتعمق في إدراك مراد الله من العلماء الذين يفرض الله على الأمة أن تتبنى تعليمهم، وأن تخرج من كل فرقة طائفة منها تتفقه في دين الله، وتحرس الدِّين، وتحذر من الانحراف، وذلك كما في قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن يُرِد الله به خيرًا، يفقِّهه في الدين ) )؛ (صحيح البخاري) ، وقوله: (( طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ ) )؛ (سنن ابن ماجه) .