على أن من يتولى الدعوة، لا بد أن يكون على بصيرة مما يدعو إليه، كما سبق في الفصل الأول، وأن يكون على بصيرة أيضًا من أحوال من يدعوهم، ومن لغتهم، ومن طرق توصيل المعلومة إليهم، كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] ، ولأن الدعاةَ نواب هؤلاء الرسل لا بد من الإلمام بلسان من يدعوهم إلى الله؛ ولذلك كان من مستلزمات القيام بهذا الواجب أن يتعلم الدعاةُ لغةَ من يرسلون إليهم، بمعنى أن يخصص لكل دولة مجموعة من الدعاة تتقن وسائل توصيل الدعوة إليهم، وهذه هي الفكرة الأساسية لإنشاء كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر.
وليست اللغة وحدها بكافية لفهم واقع المجتمع الذي يُتكلَّم بها معه؛ فلا بد من دراسة البيئة دراسة عميقة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في المنهج الذي وضعه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .
وفي آية أخرى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] .
ذلك أنه حين يكون الداعي ممن يقيم مع المدعوين يدرك ما يشغَلهم، فيقدم الأهم على المهم، ويحدِّد المداخل إلى قلوبهم وعقولهم، والوسائل التي تصلح معهم، وقد يكون ذلك مما دعا كثيرًا من الفقهاء إلى أن يشترطوا في خطيب الجمعة أن يكون مقيمًا بالبلد مدة، ثم على الداعي أيضًا أن ينوِّع خطابه حسب أوضاع الفئة التي يدعوها؛ فما يصلح للحضر ربما لا يصلح للبدو، وما يخاطب به المثقفون غير ما يخاطب به العوام، وما يصلح للصغار ربما لا يصلح للكبار، وهكذا ..
من هذه الحقائق الدعوية ندلف إلى فكر إمامنا الأعظم لنتعرف على طبيعة من اختارهم لدعوته، وكيف تعامل مع كل فئة بما يلائمها، وبما هو على استعداد للخوض فيه معهم، فليست الدعوة خاصة بالمنبر ويوم الجمعة، وقد رأينا في سيرته أنه قد اختار مخاطبة العامة بالأسلوب العملي، بمعنى أنه كان حريصًا على أن يقدم الإسلام لهم في صورة عملية؛ فحال الداعية أفضل من لسانه وبلاغته، والمدعوون في أشد الحاجة إلى القدوة، ولولا ما كان يتميز به المصطفى صلى الله عليه وسلم من خلق فاضل أثنى به عليه ربه في مثل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ