الفصل الأول
صفات الداعية وثقافته
من يتصفح ما كتب عن صفات أبي حنيفة في هيئته وسلوكه وعلمه وذكائه ونشاطه وإخلاصه وورعه وكرمه وعزة نفسه وإبائه الضيم وغير ذلك، ثم يقرأ ما سطره العلماء بعده عن صفات الداعية وثقافته التي تؤهله للقيام بمهمة الرسل وخلفائهم - لا بد له أن يعترف بأن لهذا الإمام الريادة في الاتصاف بكل ما ذكروه، وبأكثر مما ذكروه.
فالداعية إلى الإسلام هو العامل الأهم والعصب الحي في منظومة الدعوة، بل هو العمود الفقري في مجال التربية، هو الذي ينفخ فيها الروح، ويجري في عروقها الدماء، فكيف يقضي على الجهل وهو غير ضليع في العلم؟ وكيف يقاوم الهوى والفساد والضلال وهو لم يتسلَّحْ بالإيمان والأخلاق؟!
إن فاقد الشيء لا يعطيه، كما هو مقرر في العقل والفطرة.
ومن هنا كان على الداعية للإسلام أن يفقه الإسلام الذي يدعو إليه، وأن يعرفه معرفة يقينية عميقة من مصادره الأصلية وينابيعه الصافية؛ حتى يكون على بينة مما يدعو إليه، وعلى بصيرة من منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إليه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .
ومع هذه المعرفة لا بد له من تشرب هذه المعرفة؛ حتى تختلط بمشاعره وعواطفه، بحيث يتبنى الفكرة ويعيش لها وبها، فتصير له هدفًا وغاية، يحمل همها، ويجهد نفسه في اكتشاف أفضل الوسائل لتبليغها، مع ضرورة أن يكون هو صورة عملية لما يدعو إليه؛ فقد سُئلت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:"كان خلقه القرآن"، فمن ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته لا بد أن يكون قرآنًا يمشي على الأرض؛ فالقدوة العملية أقوى تأثيرًا من كثرة الكلام، كما أن الكلام لا بد أن يكون محكمًا يتسم بالإخلاص والصدق، وعن ذلك يقول الإمام أبو حنيفة:"إن الكلام كثير، ومحكمه يسير، وإن الكلام لا ينتهي حتى ينتهى عنه، وإن خير الكلام ما أريد به وجه الله"، وينصح أحد تلاميذه بقوله:"لا تحدِّث بفقهك من لا يشتهيه، ومن ناقشك من العامة والسوقة، فلا تناقشه؛ فإنه يذهب ماء وجهك".