الصفحة 8 من 21

أما عما ينبغي أن يتحلى به الداعية والمعلم من الصفات الظاهرة التي لها تأثير ضخم على المستمعين، فقد أجمعت المصادر على أنه كان طويل الصمت، حسن الإلقاء، سلس اللفظ، متدفق العبارة، جهير الصوت، يصدع برأيه حيث تعترك الآراء، وحينئذ يسيل كالسيل إذا اجتاح جنبات الوادي، مفتاح شخصية التيسير والتسامح، حسن الوجه، حسن اللحية، حسن الهيئة والثياب، حسن النعل، حسن السمت، شديد الكرم، كثير التعطر، يعرف بريح المسك.

وأما حِلمه وذكاؤه وسرعة بديهته، فحدث عن ذلك ولا حرج، وهذا مثال لضبط النفس عند الاستفزاز، وما أكثر ما استفزه الحاقدون! جاءه أحد هؤلاء وهو في مجلسه وحلقته فقال له: يا مبتدع، يا زنديق، فقال له: غفر الله لك، الله يعلم مني خلاف ذلك، وإني ما عدلت به أحدًا مذ عرفته، وعرضت له يومًا مسألة كان للحسن البصري فيها رأي، فخطأه، فقال له أحد المتعصبين: أنت تقول: أخطأ الحسن يا بن الزانية؟ فما تغير وجهه ولا تلون، ثم قال: والله أخطأ الحسن وأصاب ابن مسعود.

كان الإمام هيوبًا مهابًا، لا يتكلم إلا جوابًا، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يهتم بما يقوله عنه المتزمتون؛ فقد كثرت الألسنة في قدحه، ومعظم من ذموه لم تصل مداركهم إلى أفقه؛ ولذلك لم يأبه بمناقشتهم، أو الرد عليهم، واثقًا أن الحقيقة ستظهر يومًا ما.

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: 17] .

وكان ما توقَّعه، فبقيت أصوات الثناء تتجاوب في الأجيال تعطر سيرته.

وكان مع ذلك متواضعًا، لا يدعي احتكار الصواب، بل كان يقول كثيرًا: علمنا هذا رأي، فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه، كما كان يقول:"رأينا هذا أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا، فهو أولى بالصواب"، ومن هذا الخلق كان ينطلق بحثًا عن الحقيقة، يناقشه أبو يوسف في مسألة واحدة بعد العِشاء، فما زالا يتجاريان ويتقاربان حتى طلع الفجر، يقول عنه تلميذه أبو يوسف: كان إذا سئل عن مسألة كان له علم بها، أجاب، وكان لا يذكر الناس إلا بخير، ومن تواضعه أنه يقول:

خلَتِ الديارُ فسُدْت غيرَ مسوَّدِ = ومن الشقاء تفرُّدي بالسُّودَدِ

كان دائم النصيحة لتلاميذه الذين يرى فيهم نجابة ليخلفوه، ونصائحه في ذلك درة في جبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت