الصفحة 10 من 21

قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ} [المزمل: 20] ، نزلت عليه سورة المدثر تقول له: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 1 - 3] ، وكأن القرآن يشير بذلك إلى أن الدعوة لا بد أن يسبقها تهيئة للداعية بقيام الليل والتهجد بالقرآن.

كان يتكسب من عمله في التجارة، ولم يقبل على تدريسه ودعوته أجرًا، وهذا هو طبع الأنبياء والرسل؛ حيث كانوا جميعًا يرددون: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109] ، فقد كان يبيع الحرير الخالص والمخلوط بالصوف، وساعده ذلك على تجنبه السعي إلى الأمراء والأغنياء، بل إنه كان من أكبر تجار الكوفة في دار ابن حريث، وكان يتصدق من ربحه على الفقراء وطلبة العلم، وهذا ملمح دعوي رائع؛ فالإنفاق على طلاب العلم يساعد على التعمق فيه، وتشجيعهم على الاستمرار، والصبر على مشقته، وله مع ذلك أجر الصدقة الجارية، والعلم الذي ينتفع به مع تواصل الأجيال في أداء تلك المهمة لنشر دين الله في الآفاق، ولم يكن أبو حنيفة في ذلك بدعًا؛ فمعظم الأئمة والعلماء كانوا يحترفون ما يغنيهم عن التكسُّب بالدعوة، بل نسب كثير منهم إلى حرفته؛ فهذا الإمام الخصاف كان يعيش على خصف النعال، ويؤلف للمهتدي بالله كتاب الخراج، والقفال كان صانع الأقفال، والجصاص يعمل بالجص، والصفار كان يبيع الأواني النحاسية، والإمام حمزة بن حبيب الزيات كان يحمل الزيت على كتفه من حلوان - مدينة بالعراق - إلى الكوفة.

لم يمنعه ولاؤه لبني تيم من أن يتصدر للفتيا وللتعليم، وأن يتبوأ تلك المكانة العالية في تاريخ الأمة، فما كان للعرب فضل بعروبتهم فقط، ولكن الفضل كل الفضل في القيام بخدمة هذا الدين، ونشره، والإخلاص في ذلك، ولقد قال عمر:"لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا، لوليتُه مكاني"، وكان ينادي على أسامة بن زيد كلما لقيه: السلام عليك أيها الأمير، ويقول: إني لا أدعوك إلا به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وأنت عليَّ أمير، وهذا عكرمة مولى عبدالله بن عباس ظل رقيقًا إلى أن مات سيده، فأعتقه ابنه علي، والإمام نافع كان مولًى لابن عمر، وابن سيرين كان مولى لأنس بن مالك، وغيرهم كثير.

كان مثلًا رائعًا للورع والبُعد عن الشبهات، وقد تواترت الأنباء عن ذلك في تجارته، يقول شريكه بعد أن انفضت الشركة معه ثلاثين عامًا:"جالست أنواع الناس من العلماء والفقهاء والزهاد والنساك وأهل الورع منهم، فلم أرَ أحدًا أجمع لهذه الخصال من أبي حنيفة، كان إذا دخلت عليه شبهة من شيء، أخرج من قلبه ذلك، ولو بجميع ماله؛ فالشك عنده يزيل اليقين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت