بخلاف القاعدة، كان لا يشتري بما يريد البائع، ولكن بقيمة السلعة في الواقع، وكان يمقت المماكسة، فيطبق الفقه على التجارة بالصدق، فربطت التجارة عنده بين دنيا الفقه ودنيا الناس.
جاء رجل يشتري ثوبًا من خز، فطلب من ابنه حماد أن يخرج له ثوبًا، فنشره وهو يقول: صلى الله على محمد، فقال أبوه: مه قد مدحته، ورفض بيعه بالرغم من إصرار المشتري على شرائه.
وبعث بصفقة ثياب إلى شريكه، وأعلمه أن في ثوب منها عيبًا، وطلب منه أن يبينه للمشتري، فباع شريكه الصفقة ونسي أن يبين عيب الثوب، واستوفى ثمن الجميع، مع أن منه ثوبًا غير كامل، وكان الثمن ثلاثين ألفًا، فأمر شريكه أن يبحث عن المشتري، ولكنه لم يهتدِ إليه، فأبى أبو حنيفة إلا فصالًا من شريكه، وتتاركا، وتصدق بثمن الصفقة كلها.
وجاء رجل بثوب يبيعه، فقال: بكم؟ قال: بكذا، قال: إنه يستحق أكثر من ذلك، ولم يزل يزيده حتى اشتراه بثمانية آلاف.
وجاءته امرأة بثوب وطلبت فيه مائة، فقال لها: هو خير من مائة، بكم تقولين؟ فزادت مائة مائة حتى قالت: أربعمائة، قال: هو خير من ذلك، فقالت: أتهزأ بي؟ قال: هات رجلًا يشتريه، فاشتراه بخمسمائة درهم.
كان عصره يموج بالفتن والفرق - كما هو الآن - فاتخذ لنفسه موقف الحكَمِ الذي لا ينحاز إلا إلى الحق، وصحيح الدين، وحين يضطر إلى الحوار مع مخالفيه كان يسعفه ذكاؤه وسرعة بديهته، كما حدث منه مع الخوارج القائلين بكفر مرتكب الكبيرة، وقد سبق إيراد الحوار معهم، وصرح في الفقه الأكبر بعقيدته الواضحة في قوله:"ولا نكفر مسلمًا بذنب من الذنوب، وإن كان كبيرة، إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان، ونسميه مؤمنًا حقيقة، ويجوز أن يكون مؤمنًا فاسقًا غير كافر".
ومن أوضح الأمثلة على عبقريته في الجدال مع مخالفيه حتى يفحمهم أنه كان على موعد مع الزنادقة الذين ينكرون وجود الله وتدبيره للكون، فتأخر عن موعده عمدًا، وحين سئل عن ذلك قال: لم أجد مركبًا يحملني عبر النهر، فوقفت أنتظر، فإذا بلوح من الخشب يظهر فجأة، وإذا بلوح آخر ينضم إليه ويلتصق به، وبلوح ثالث، حتى صارت هذه الألواح سفينة، وليس فيها أحد، فركبتها وأتيت إليكم، فقالوا جميعًا: إن هذا ليس من المعقول! فقال:"أتتعجبون من صنع سفينة بلا صانع، وتنكرون أن يكون لهذا الكون البديع خالق مدبر؟! ومثل هذا المنطق هو"