الصفحة 38 من 49

أخطأ عمدا أم سهوا، فإنه من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى، بإقرار أئمة الجرح والتعديل، ومنهم الذهبي رحمه الله تعالى، ثم إن المنصف والمخلص ممن تكلم فيه لا يغضب لذلك، وهذا الظن بأئمة الإسلام الأحياء منهم والأموات، أما من غاظه ذلك سواء تكلم فيه هو أو تكلم في غيره، وكان غرض الكلام فيه دينيا، فهذا قدح فيه لا فيمن تكلم، بل وربما يكون الغرض دنيويا لكنه مشروع، كمسألة الخطبة والتخاصم عند القاضي ونحوها.

ثالثا: إن ما افترضه صاحب النصيحة الذهبية من أن شيخ الإسلام يدافع عن نفسه بقوله: (إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام ولا عرفوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو جهاد) لمن أعظم الرمي بالتكفير، فإن وراء هذه الكلمات نسبة شيخ الإسلام إلى تكفير المخالفين له، ونحن نقول إنه من أعظم من أنصف خصومه، فقد رد على أقوالهم وفندها تفنيدا لا نظير له، مستدلا بحجج من الكتاب والسنة والإجماع، وعندما رام إلى الكلام في أشخاصهم بين أن التكفير أمر خطير، وهو لا يثبت في حق الشخص إلا بعد بلاغ الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها؛ وثبوت الشروط وانتفاء الموانع، وإلا فلا يجوز تكفير من قال كلمة الكفر متأولا أو جاهلا، كما بين أنه لا يجوز نسبة لازم القول إلى القائل، ولا تكفيره ولا تبديعه بذلك، وكتب شيخ الإسلام مشحونة بهذه القاعدة، والمسماة بقاعدة الأسماء والأحكام، ثم إنه لم يبخس أحدا من خصومه ما معه من حق ولا جهوده في الدفاع عن الدين، مثل كلامه عن الأشاعرة ومدح جهودهم ضد الفلاسفة والرافضة ونحوهم من الزنادقة.

هذا عن خصومه ممن بقي في دائرة الإسلام، وإلا فمنهم من خلع ربقة الإسلام مثل الحلاج وابن عربي والقونوي والتلمساني؛ ونحوهم ممن كفرهم سائر أئمة الإسلام، وليس ابن تيمية وحده، فإذا كان مراد صاحب النصيحة الذهبية هؤلاء، فهو إما جاهل وإما ضال، ومرده إلى الله هو أعلم به وبمن اتقى، وإن كان مراده خصوم شيخ الإسلام المسلمين فجوابه ما تقدم، ولا يقدح فيه الكلام فيهم وفي مقالاتهم، وإنما الذم على من دافع عنهم، ورضي ببدعهم وضلالاتهم في دين الله تعالى.

رابعا: إن شيخ الإسلام قد عرف عنه أنه يحب الخير للناس، ولم يكن عونا للشيطان عليهم، فإنه كان يعلم ويناظر، وغرضه بيان الحق، ومن ثم رجوع الخصم وتوبته، فقد تحلى رحمه الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت