وإليك أخي القارئ ما قاله الإمام الشوكاني في البدر الطالع؛ فيما يخص الإمام السخاوي وتراجمه لأقرانه وأقران شيوخه: (والسخاوى رحمه الله وإن كان إماما غير مدفوع لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يعرف ذلك من طالع كتابه الضوء اللامع، فإنه لا يقيم لهم وزنا، بل لا يسلم غالبهم من الحط منه عليه، وإنما يعظم شيوخه وتلامذته ومن لم يعرفه ممن مات في أول القرن التاسع قبل موته، أو من كان من غير مصره، أو يرجو خيره أو يخاف شره، ... وأما ما نقله من أقوال ما ذكره من العلماء مما يؤذن بالحط على صاحب الترجمة فسبب ذلك دعواه الاجتهاد كما صرح به، ومازال هذا دأب الناس مع من بلغ إلى تلك الرتبة، ولكن قد عرفناك في ترجمة ابن تيمية أنها جرت عادة الله سبحانه كما يدل عليه الاستقراء برفع شان من عودي لسبب علمه وتصريحه بالحق وانتشار محاسنه بعد موته وارتفاع ذكره وانتفاع الناس بعلمه، وهكذا كان أمر صاحب الترجمة فان مؤلفاته انتشرت في الأقطار، وسارت بها الركبان إلى الأنجاد والأغوار، ورفع الله له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه؛ والعاقبة للمتقين) .
وقال الشوكاني معلقا على ترجمة السخاوي لمحمد البلقيني: (وقد ترجمه السخاوي ترجمة طويلة كلها ثلب وشتم، كعادته في أقرانه، ومن أعجب ما رأيته فيها من التعصب أنه قدح في مؤلفات المترجم له، ثم قال: إنه ما رآها، وهذا غريب، ولكنه قد أبان العلة في آخر الترجمة فقال: وبالجملة فهو ممن فيه رائحة الفن، بل هو من قدماء الأصحاب وأحد العشرة الذين ذكرهم شيخنا يعنى ابن حجر في وصيته، وإن فعل معي ما أرجو أن يجازى بمقصده عليه) .
قلت: فالسخاوي كثير التحامل على كثير من العلماء والفضلاء، وكلامه فيهم - والذي غالبه حط وسباب وانتقاص- ينزل منزلة قدح الساخط، وأسبابه قد تكون مذهبية، أو عقائدية، أو دنيوية، أما عن نفسه وعن شيوخه وأصحابه وتلاميذه فإنه كثير الثناء والمدح، وهي من قبيل مدح المحب، وبالتالي فكلامه كثير منه يفتقر إلى الموضوعية والإنصاف، وأقواله محل بحث وتتبع، والله أعلم.