فلما دخلوا أغلقوا الباب على أنفسهم تخوفة أن تكون دونه مجاولة (1) تحول بينهم وبينه، فصاحت امرأته فهموا بقتلها، ثم ذكروا نهي النبي صلى الله عليه وسلم * عن قتل النساء، فأمسكوا عنها، ثم تعاوروه بأسيافهم وهو راقد على فراشه، أبيض في سواد الليل كأنه قبطية (2) ملقاة، ووضع عبد الله بن عتيك سيفه في بطنه حتى أنفذه، كما تحامل عليه بالسيف عبد الله بن أنيس في بطنه حتى أنفذه، وسلام يقول: قطني ... قطني، أي بي بي
وخرج أفراد السرية من حجرة سلام، وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت (3) رجله وثثة شديدة، فحمله أصحابه حتى أتوا منهرا من مناهرهم (4) ، فدخلوا فيه وأستروا.
وخرج أهل الآطام، وأوقدوا النيران في كل وجه، فلما يئسوا رجعوا
إلى آطامهم
وقال أفراد السرية: «كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟» ، فرجع أحدهم ودخل بين الناس، فوجد امرأته ورجالك يهود حوله، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: «أما والله! لقد سمعت صوت ابن عينيك، ثم أكذب نفسي وقلت: أتى ابن عتيك بهذه البلاد؟» ، قال: ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه، ثم قالت: فاظ (5) وإله يهود! فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها، وقد حدث الذي ذهب يستطلع موت سلام أصحابه بحديثه هذا بعد عودته إليهم من مهمته الاستطلاعية، فأيقنت السرية بهلاکه
(1) المجاولة: الحركة تكون بينه وبينهم.
(2) القبطية: ثوب يصنع بمصر أبيض من الكتان الرقيق، وهي منسوبة إلى القبط على
غير قياس.
(3) وثثت بده: شبه الفسخ في المفصل، أصاب العظم شيء ليس بالكسر، وقال بعض
أهل اللغة: الوثء، تصدع في اللحم لا في العظم.
(4) المنهر: مدخل الماء من خارج الحصن إلى داخله.
(5) فاظ: مات، قال الراجز: الا يدفنون عنهم من فاظا.