حتى تبرزنا عن الناس، فنزل عن راحلته ثم انطلق فتغيب عني حتى ما أراه، فمكث طويلا ثم جاء، فقال: حاجتك يا مغيرة! قلت: ما لي حاجة! قال: فهل معك ماء؟ قلت: نعم، فقمت إلى قربة أو قال سطيحة (1) معلقة في آخر الرحل، فأتيته بها، فصب عليه، فغسل يديه فأحسن غسلهما، وأشك دلكها، بثراب أم لا، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يحسر عن يديه وعليه جبة شامية ضيقة الكم، فضاقت، فأخرج يديه من تحتها إخراجة، فغسل وجهه ويديه، ثم مسح بناصيته ومسح على العمامة ومسح على الخفين، ثم ركبنا، فأدركنا الناس وقد أقيمت الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى ركعة وهم في الثانية، فذهبت أوذنه فنهاني، فصلينا الركعة التي أدركنا، وقضينا التي سبقتناه، وكان هذا في تبوك، وكان المغيرة بحمل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، حين صلي خلف عبد الرحمن بن عوف: (ما قبض نبي قط، حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته(2) .
6 -جهاده بالمال:
كان عبد الرحمن كثير الإنفاق في سبيل الله (3) ، وقد تصدق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف درهم، ثم تصدق بأربعين ألفا من الدراهم، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة (4) ، وكان كثير المال محظوظة بالتجارة (5) .
وحين حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا أربعة آلاف درهم قال: كان عندي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة آلاف النفسي وعيالي، وأربعة آلاف أقرضها ربي عز وجل»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لك فيما أمسكت وفيما
(1) الشطيحة: المزادة تكون من جلدين لا غير.
(2) طبقات ابن سعد (3/ 128 - 129) ، وانظر مغازي الواقدي (3/ 1012)
(3) أسد الغابة (3/ 314) ، وتهذيب الأسماء واللغات (301/ 1) .
(4) أسد الغابة (311/ 3) ، والإصابة (4/ 177) .
(5) تهذيب الأسماء واللغات (1/ 301)