ومن أفكار تشومسكي في هذا الكتاب ما سيستثير القارئ العربي، والمسلم خاصة؛ فهو ينوه إلى أهمية الدين ولا يخفي إعجابه بالأشخاص الذين يحملون مبادئ دينية صادقة؛ فهي تكون لهم باعث على الراحة النفسية، وعامة يجتمع حوله الناس، وهو شيء يأسف اللافتقار إليه في المجتمع الغربي المستلب والمنقسم على نفسه.
ولا ترى تشومسكي كذلك يستنكف من الأخذ بأفكار بعض المتطرفين الدينيين، أمثال الهندوس؛ فهم برأيه يفهمون أن الشعب، وخاصة منه الساكنة الفقيرة والعاجزة، له احتياجات ورغبات ليست مادية فحسب، أو تقتصر على متطلبات الحياة اليومية، بل إن احتياجاته كذلك وجدانية وروحية وابتكارية. ويري تشومسكي في هذا الباب أنه طالما لم يكن في المعتقدات الدينية ما يضر بالآخرين فينبغي أن تترك في نطاق ما هو خاص، لكنه لا ينفي عن العقيدة الدينية أن تكون خطيرة، غير أنها تشترك في هذه الخطورة كذلك مع العقيدة اللائكية. وأما اليسار اللائكي فما عاد له برأيه دور أو تأثير، وأنه «انكفأ على مغاير من مغايرات ما بعد الحداثة لا يفهمه إلا أقل القليل» . .
لكن أكثر من ينالهم تشومسکي بنقوده إنما هم المثقفون الغربيون. فهو يراهم في كثير من مواقفهم بنحازون إلى جانب السلطة، أو أنهم في ما يصدرون عنه من مواقف لا يأخذون الوقائع ولا الحقائق في الحسبان. فلذلك يبدو تشومسكي في كل ما يصدر عنه من أفكار
مشتغلا ميدانية بالعلم، فلا يهتم لبناء نظرية خاصة، بل يستكره مصطلح «نظرية» ، ويراه «مصطلحا عفى عليه الزمن.
فلذلك بري تشومسكي، في باب الجدوى من العمل الثقافي والفكري، أن المثقفين لا ينبغي لهم أن يكتفوا بالتعرض بالإدانة