نعوم تشومسكي:
لماذا بعيد عن الاحتمال؟ فلنفترض أن شخصا يشعر بالجوع ويتجول في الشارع في غياب رجال الشرطة، ثم يلتقي طفلا جائعة وبيده قطعة خبز. فهل تكون الغريزة الطبيعية بأن يسرق ذلك الشخص الخبز من الطفل؟ إن كان كذلك فإننا نعتبره فعلا مرضية. وعندما تتخلف بعض الدلافين على الشاطئ بفعل تراجع المد، ويهب مئات الأشخاص النجدتها، وتراهم يبذلون الجهود المضنية في محاولة إنقاذها. فهل يجوز لنا أن نفسر هذا العمل منهم بالأنانية، أو حتى بالنظريات أمعنها في السفسطائية، وهي التي تقول إن الانتقاء الطبيعي يغلب عند الإنسان الميل إلى تقديم المساعدة إلى الأشخاص من أسرته والإيثار المتبادل؟ أعتقد أنه لا التاريخ ولا التجربة يكذبان فرضية آدم سميث وديفيد هيوم - المعدودين من الأعضاء البارزين في الجوقة المعاصرة المنغنية بالأنانية -، والتي تعتبر التعاطف مع الآخرين والاهتمام برفاههم سمتين أساسيتين في الطبيعة البشرية. والاعتقاد بأن الأنانية غريزة إنسانية غالبة شيء يواتي الأثرياء والأقوياء الساعين في العمل على تفكيك المؤسسات الاجتماعية، التي ظهرت على أساس من التعاطف والتكافل والتعاون المتبادل. إن العناصر الأشد همجية في القطاعات الغنية والقوية - ويدخل فيها أولئك الذين يمسكون اليوم بزمام الأمور في واشنطن، أو المتحمسون لے اتيناه في غير واشنطن - عاقدو العزم على تقويض الأمن الاجتماعي وبرامج الصحة والمدارس، والحقيقة أنهم عاقدو العزم على تقويض جميع المنجزات التي تحققت بفضل النضالات الشعبية، والتي تلبي الاحتياجات العمومية، ولا تكاد تنقص شيئا من ثرائهم ومن سلطانهم. ويواتي هؤلاء كثيرة كذلك أن يبتكروا