وقد أجيز الجر مع الفصل في الخبرية، والوجه: النصب، للفصل بين الجار والمجرور. وقد أتت {مَنْ} مع المميّز من غير فصل، كقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} [1] ، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} [2] والاختيار أن تكون مع الفصل.
ولك أن تجعل {كَمْ} في موضع رفع بالابتداء، و {آتَيْنَاهُمْ} الخبر، على أن تقدر إضمار العائد، أي: كم آتيناهموها، أو آتيناهم إياها، ولا يجيز صاحبُ الكتاب الرفعَ مع الحذف في الاختيار وحال السعة [3] .
وبنيت (كم) لتضمنها معنى همزة الاستفهام إن كانت استفهامية، وإن كانت خبرية فبنيت لكونها محمولة على (رُبَّ) ، لأنها نقيضتُها [4] ، وذلك أن (رب) للتقليل، و (كم) للتكثير، والشيء قد يُحمل تارةً على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
فإن قلت: ما محل {كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ} ؟ قلت: محلها النصب على أنها مفعول ثان لقوله: {سَلْ} .
فإن قلت: هل يجوز أن تنصب {كَمْ} بقوله {سَلْ} ؟ قلت: لا؛ لأن لها صدر الكلام، استفهامية كانت أو خبرية.
وقوله: {وَمَنْ يُبَدِّلْ} مَن: شرطية في موضع رفع بالابتداء، والخبر {يُبَدِّلْ} ، والعائد: المستكن في {يُبَدِّلْ} . وقيل: العائد محذوف، والتقدير: شديد العقاب له، فيختصُ العقابُ بالمُبَدِّلِ.
وعلى الوجه الأول: يحتمل أن يكون له، وأن يكون عامًا في كل
(1) تقدم في الآية: 106 من هذه السورة.
(2) من الآية: 215 الآتية بعد.
(3) انظر التبيان 1/ 170.
(4) في (أ) : تقتضيها، تصحيف.