بعدها. يقال: وَفَى بكذا، وأوفى وَوفَّى بمعنىً، وأصلها الإتمام، غير أن التشديد قد يكون فيه معنى التكثير، وقد ورد القرآن بهن.
فإن قلت: أين (وَفَى) في القرآن؟ قلت: في قوله جل وعز: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ} [1] ، لأن أفعل التفضيل لا يُبْنَى إلا من الثلاثي في الأمر العام. والوفاء ضد الغدر.
{أُوفِ} : جزم لكونه جوابًا لشرط محذوف. والجمهور على تخفيف الفاء، وقرئ: (أُوَفِّ) بالتشديد [2] على التأكيد، أي: أبالغ في التوفية بعهدكم، كقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [3] .
{وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} : (إياي) منصوب بفعل مضمر دل عليه هذا الظاهر، أي: إياي ارهبوا فارهبون. ويجوز في الكلام: وأنا فارهبون، على الابتداء والخبر، كما تقول: زيدٌ فاضربه، والنصب أحسن لكونه أمرًا، ولكونه عطفًا على جملة فعلية، فالتجانس به يحصل، أعني بالنصب.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون منصوبًا بهذا الفعل الظاهر وهو {فَارْهَبُونِ} ؟ قلت: لا، لأن {فَارْهَبُونِ} فكل استوفى مفعوله، وهو ياء النفْس، وإنما حُذفتْ تخفيفًا، ولكونه رأسَ آيةٍ [4] .
ومعنى ارهبون: خافون، يقال: رَهِب فلان يَرهَب بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر رهَبْةً بالفتح والإسكان، ورُهْبًا بالضم والإسكان، ورَهَبًا بالفتح والتحريك، إذا خاف.
(1) سورة التوبة، الآية: 111.
(2) نسبت إلى الزهري، انظر إعراب النحاس 1/ 167، والمحتسب 1/ 81، والمحرر الوجيز 1/ 197.
(3) سورة الأنعام، الآية: 160. وانظر المحتسب الموضع السابق.
(4) انظر هذا الإعراب أيضًا معاني الزجاج 1/ 121، وإعراب النحاس 1/ 167.