وأما تشديد (لما) مع نصب (كل) فمشكل؛ لأنه لا يجوز أن تكون {لَمَّا} هنا بمعنى إلّا، ولا بمعنى الحين، ولا بمعنى لَمْ لعدم المعنى.
وأحسن ما قيل فيه وهو قول الفراء: أن أصله (لَمِن ما) بكسر الميم الأولى على أنَّها الجارة، فقلبت النون ميمًا لأجل الإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداهن كراهة اجتماع الأمثال، وهي الأولى، وأدغمت الوسطى فبقي (لَمَّا) كما ترى [1] .
وساغ حذف الأولى وإبقاء الوسطى وهي ساكنة، لاتصال اللام بها.
و (ما) هي الخبر وهي نكرة بمعنى مَنْ.
والمعنى: وإنَّ كلَّا لَمِن خَلْقٍ، أو لَمِنْ بَشَرٍ والله ليوفينهم ربك جزاء ما صدر منهم.
وقد جوز أن يكون الأصل لَمَن ما - بفتح الميم - على أنَّها اسم، فما على هذا تكون مزيدة، والمحذوفة هي الوسطي، والتقدير: وإن كلًّا لَخَلْقٌ أو لَبَشَرٌ والله ليوفينهم أعمالهم [2] .
وقيل: إن {لَمَّا} هنا مصدر لَمَّ يَلُمُّ لَمًّا، إذا جمع [3] ، كالذي في قوله عزَّ وجلَّ: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} [4] ، أي: جامعًا لأجزاء المأكول، لكن أجرى الوصل مجرى الوقف، تعضده قراءة من قرأ: (وأن كُلًّا لَمًّا) بالتنوين، وهما الزهري، وسليمان بن أرقم [5] على معنى وإنّ كُلًّا
(1) انظر معاني الفراء 2/ 672.
(2) انظر هذا الوجه في معاني الزجاج 3/ 81. ومشكل مكي 1/ 415 - 416.
(3) انظر هذا القول في معاني الزجاج 3/ 82. وعزاه النحاس في إعرابه 2/ 115 إلى أبي عبيد.
(4) سورة الفجر، الآية: 19.
(5) انظر قراءتهما رحمهما الله أيضًا في المحتسب 1/ 328. والكشاف 2/ 236. والمحرر الوجيز 9/ 229. واكتفى الفراء 2/ 30. والنحاس 2/ 114. ومكي 1/ 416 بنسبتها إلى الزهري. والزهري هو ابن شهاب المدني أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله. أحد أعلام الإسلام =