والثاني: أنه مبني والنون نون التأكيد الداخلة على النهي، كما هي في قراءة الجماعة إلّا أنه استثقل التضعيف فخففت بحذف إحدى النونين وهي الأولى دون الثانية، فإن قلت: لم حذفت الأولى دون الثانية؟ قيل: لأنك لو حذفت الثانية التقى ساكنان، فكنت تحتاج إلى الحذف أو التحريك، فلذلك حذفت الأولى دون الثانية [1] .
وإلثالث: أنه مبني والنون نون التأكيد الخفيفة، وكسرها لالتقاء الساكنين تشبيهًا بنون التثنية، وهو مذهب يونس [2] .
والذي جوز ذلك ما في الألف من فرط مَدٍّ، والمد يقوم مقام الحركة، وأَبَى ذلك صاحب الكتاب وشيخه الخليل [3] وذلك أن فعل الاثنين إذا أسقطت منه التي هي علم الرفع لأجل النهي، وجيء بالنون الخفيفة لم يخل من ثلاثة أوجه:
إمَّا أن تكسر لالتقاء الساكنين، أو تحذف الألف، أو تُقَرَّ النونُ ساكنة، فالأول لا يجوز؛ لأنه لا يعلم حينئذ نون إعراب هي أم نون تأكيد، والثاني: ممنوع لأجل التباس فعل الاثنين بفعل الواحد، والثالث: مردودٌ؛ لأنهم لا يجمعون بين ساكنين مظهرين في الإِدراج، وإنما يكون ذلك إذا كان الثاني منهما مدغمًا نحو: دَابَّة، ومُدَيْق [4] .
وأجاز ذلك يونس، وَوَجْهُهُ ما ذكرتُ آنفًا، فاعرفه فإنه من كلام المحققين من أصحابنا، والله أعلم.
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا
(1) انظر الحجة 4/ 294. والتبيان 2/ 685.
(2) انظر مذهب يونس في كتابه سيبويه 3/ 527. والخصائص 1/ 92. والإنصاف 2/ 650.
(3) انظر كتاب سيبويه 3/ 519 وما بعد.
(4) سقطت هذه الكلمة الأخيرة من (ط) . وإنما هي تصغير (مدق) . انظر شرح ابن يعيش 9/ 38.