وقوله: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} (ثلاثةٌ) خبر مبتدأ محذوف، واختلف في تقديره على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن التقدير: ولا تقولوا المعبود أو الله ثلاثة كما تقول النصارى، وذلك أنهم يقولون فيما حُكي عنهم: هو جَوْهَرٌ واحدٌ له ثلاثةُ أقانيمَ، ثم اختلفوا في الأقانيم، فبعضهم قالوا: هي ذوات، وبعضهم قالوا: هي صفات، وطائفة منهم قالوا: الأب الذات، والابن العِلْمُ، وروحُ القُدُسِ الحياةُ. والأقانيم: الأصول، واحدها أُقنومٌ.
والثاني: أن التقدير: الآلهة ثلاثة.
والثالث: أن التقدير: ولا تقولوا هو ثالث ثلاثة، فحُذف المبتدأ والمضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ويعضد هذا الوجه قوله: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [1] .
فإن قلت: لم سمي عيسى - عليه السلام - روحًا؟ قلت: اختلف في ذلك على أوجه:
أحدها: أنه سمي روحًا؛ لأنه كان بسبب نفخة جبريل صلوات الله عليه بإذن الله، والنفخ يسمى في اللغة روحًا، قال ذو الرمة يصف نارًا:
174 -فقلتُ له ارفَعْها إليكَ وأَحْيِها ... بِرُوحِكَ [2]
أي: بنفخك.
والثاني: أنه سمي روحًا؛ لأنه رُوحٌ من الأرواح، وذلك أن الله عز
(1) سورة المائدة، الآية: 73.
(2) البيت لذي الرمة في وصف نار، وتمامه:
.... بروحك واقتته لهاقيتة قدرا
وانظره في جامع البيان 6/ 36، والمحرر الوجيز 4/ 316، وزاد المسير 2/ 261، وجامع القرطبي 6/ 23، وتهذيب اللغة (راح) ، ولسان العرب (روح) .