وعُلِمَ ممّا تقررَّ: أنّه لو ورد دليلٌ خاصٌّ بضررٍ خاصٍّ خُصِّصَ به العمومُ, على القاعدة الأصوليَّة من تقديم الخاصِّ على العامِّ، ولا نظرَ حينئذٍ لرعاية المصالح، خلافًا لما أطال به الشارح الطوفيُّ [1] هنا، وبسط الكلام عليه في نحو كرَّاسين، وزعم أنَّ المصلحة تُقدَّم على جميع الأدلَّة حتّى النصِّ والإجماعِ! [2] ، ومع عدم الورود تُرَاعَى المصالحُ إثباتًا، والمفاسدُ نفيًا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنَّهما نقيضان لا واسطة بينهما.
وأخذ منه الشافعيّة [3] أنَّ للجار منعَ جارِه مِن وضعِ جِذعه [4] على جداره وإن
(1) التعيين (236 - 260) .
(2) أطال الطوفيُّ في هذه المسألة في شرح هذا الحديث، وقد ذهب إلى منحىً بعيدٍ لا يوافقه عليه أهل العلم رحمهم الله، من ذلك أنه رأى أنّ: (رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنَّها أقوى أدلَّة الشرع؛ لأنَّ الأقوى من الأقوى أقوى) ص (239) وأيضًا ذهب إلى أنَّ الإجماع ليس بحجة ص (256) وإن كان قيَّد كلامه بالإجماع في العبادات والمعاملات في (ص 250) ! والمصيبة العظمى: أنّه حمَّل الاِختلاف بين الأمَّة والشقاق على النصوص الشرعيًّة في ص (259) ! . إلى غير هذه المسائل التي خالف فيها علماء الأمة, وقد استلَّ هذا الجزءَ بعضُ العلماء ونشروه مفردًا, منهم: جمالُ الدِّين القاسميُّ، وشرحَه ونشره في مجلَّة المنار في المجلَّد التاسع، في الجزء العاشر الصَّادر عام (1906 م) .
(3) قال النوويُّ في المنهاج (261) : (والجدار بين المالِكَين قد يختصُّ به أحدهما، وقد يشتركان فيه، فالمختصُّ: ليس للآخَر وضع الجذوع عليه في الجديد) ، وقال الشِربينيِّ في شرحه: (وقد يقتضي التعبير بالجديد بأنَّ مقابلَه قديمٌ محضٌ، وليس مرادًا بل هو منصوصٌ عليه في الجديد أيضًا، حكاه البويطيُّ عن الشافعيِّ، وهو من رواة الجديد) . مغني المحتاج (3/ 178) . وانظر: فتح العزيز (10/ 315) . وذكر البغويُّ في شرح السنة (8/ 247) : أنّ أكثر أهل العلم على عدم الإجبار، وأجابوا عن الخبر بجوابين: أحدهما أنّه محمول على الندب والاستحباب، وحسن الجوار، وثانيهما: ما قاله الإسنوي: أنّ الضمير في (جاره) يعود إلى المالك، وقد تعقّبه ابن التِّين بأنه إحداث قول ثالثٍ في تفسير الخبر! ثمّ تعقّب عليه ابن حجر، انظر: فتح الباري (5/ 111) ، ونقل الحافظ عن البيهقيِّ من الشافعية أنّه قال: (لم نجد في السُّنن الصحيحةِ ما يعارض هذا الحكم إلا عموماتٌ لا يستنكرُ أن نخصّها) . ولعلّ الأحسنَ-والله أعلم-: هو أنَّ حديث الباب - «لا ضرر ولا ضرار» - مخصَّصٌ بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، لقضاء عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه، رواه مالك في الموطَّإ (2/ 742) بسندٍ صحيحٍ، والله أعلم.
(4) الجِذع: بالكسر ساق النخلة، ويسمى سهم السقف جذعًا والجمع جذوع وأجذاع. المصباح المنير (1/ 94) .