قال الغزاليُّ: (المعنى في ذلك: أن نطق اللسان يؤثِّر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان، فاللسان أشدُّ الأعضاء جماحًا وطغيانًا، وأكثرها فسادًا وعُدوانًا، ويؤكّد هذا المعنى قول مالك [1] بن دينارٍ: إذا رأيت قسوةً في قلبك, ووهنًا في بدنك, وحرمانًا في رزقك, فاعلم أنَّك تكلَّمت فيما لا يعنيكَ) [2] .
فإن قيل: ما ذكر في هذا الحديث: من أنَّ أعظم الخطايا في اللسان، وأنه إذا استقام استقامت الأعضاء، وإذا اعوجَّ اعوجَّت، يخالفه ما مرَّ في حديث: إنَّ في الجسد مضغةً إلى أن قال: «وهي القلب» [3] ، قلنا: اللِّسانُ تَرجُمان القلبِ، وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أُسند الأمرُ إليه فهو مجازٌ في الحكم، كقولك: شفى الطبيبُ المريضَ.
تتمَّة: قد كان السلفُ على غايةٍ من حفظ اللسان: قال الإمام ابن أبي جمرة [4] : أخبرني بعض مشايخي عن بعض مشايخه: أنَّه كان قاعدًا [5] أحدُ أصحابه فأتاه ابنه من المكتب، فقال: حفظتُ لوحي، أقعد أو أمشي ألعب؟ فلم يجبه، فكرّره، فقال له صاحبه: ألا تقول له: يلعب، أليسَ اللَّعبُ [6] يُصْلح الصبيان؟ قال: ما أريد أن يكون
(1) في الأصل: (الملك بن دينار) .
(2) منهاج العابدين إلى جنَّة ربِّ العالمين (108 - 109) .
(3) أخرجه البخاريّ, في كتاب الإيمان, باب فضل من استبرأ لدينه (1/ 20, رقم 52) . ومسلم في كتاب المساقاة, باب أخذ الحلال وترك الشبهات, (3/ 1219, رقم 1599) .
(4) هو عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبي جَمْرَة المالكيّ الأندلسي، صاحب"مختصر البخاري: جمع النهاية في بدء الخير وغايته, ثم شرح مختصره وسمَّاه (بهجة النفوس) ، وقد انتفع الناس بهذا الشرح واستفاد منه شرَّاح البخاريِّ كثيرًا، وسمَّاه الحافظ في الفتح (1/ 24) بالإمام القدوة، ونقل عنه قرابة مائةٍ وخمسين نقلًا. توفِّي سنة (695 هـ) انظر: سلم الوصول إلى طبقات الفحول (2/ 211) . الأعلام للزركلي (4/ 89) ."
(5) في (ب) : مع أحد.
(6) في (ب) : فإن اللعب.