فمعنى كلام ابن مسعود ¢: فلعلهم قد حَفِظوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إباحةَ ذلك، بعد أن كان جوازُه مقصورا على المساجد الثلاثة، ولعلهم أصابوا في فِعلهم ذلك, وأخطأت في إنكارك عليهم.
قال الطحاوي:"فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا فيه: إخبار حُذَيفةَ ابنَ مسعودٍ أنه قد عَلِمَ ما ذَكَرَه له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - , وَتَرْكُ ابنِ مسعودٍ إنكارَ ذلك عليه، وجَوابُه إياه بما أجابه به في ذلك مِن قوله: (لعلهم حَفِظوا) نَسَخ ما قد ذَكَرْتَهُ من ذلك, وأصابوا فيما قد فَعلوا" [1] .
الجواب الثاني: يُحمَل حديث حذيفة -وهذا أيضا على القول بصحة رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، على أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل وأعظم أجرا من الاعتكاف في غيرها؛ لما لها من الفضل الكبير [2] .
قال الشيخ ابن عثيمين:"وإن صح هذا الحديث فالمراد به: لا اعتكاف تام، أي أن الاعتكاف في هذه المساجد أتم وأفضل من الاعتكاف في المساجد الأخرى، كما أن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المساجد الأخرى" [3] .
الجواب الثالث: أن الراجح أن هذا الكلام من قول حذيفة - رضي الله عنه - وليس مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك يُبيِّنه ما يلي:
أولا: أن أكثر الرواة رووه موقوفا على حذيفة - رضي الله عنه -، وهم أوثق ممن رفعه [4] .
ثانيا: وقوع الشك في الرواية المرفوعة ففي رواية: «إلا المسجد الحرام» . وفي رواية: «إلا المساجد الثلاثة» . وفي رواية: «مسجد جماعة» [5] .
وهذا الشك يضعف الاحتجاج بالحديث؛ لأن الشك لا يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) شرح مشكل الآثار 7/ 201.
(2) ينظر: أحكام القرآن للجصاص 1/ 295، وبدائع الصنائع 2/ 113.
(3) الشرح الممتع 6/ 502.
(4) رواه عبد الرزاق في المصنف موقوفا 4/ 348 رقم 8016، كتاب الاعتكاف, باب لا جوار إلا في مسجد جماعة، وابن أبي شيبة 2/ 337 رقم 9669، كتاب الصيام, من قال لا اعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه، والطبراني في الكبير 9/ 302 رقم 9511.
(5) تنظر الروايات بالشك في: السنن الكبرى للبيهقي رقم 8574، كتاب الصيام, باب الاعتكاف في المسجد, والمحلى 3/ 431.