فتبين مما سبق أنهم كانوا يعرفون الحق ويكتمونه وقد بين الله موقفهم من ذلك بقوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [1] .
والأهم في موضوع المباهلة هو أنه هل يمكن أن تقوم بيننا وبين أهل الكتاب حديثاً مباهلة في المواضيع العقدية التي تتعلق بالمسيح عليه - عليه السلام - وفي غيرها, وتكون كبديل عن مناظرتهم ومحاورتهم؟ أم أنها خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فقد تكلم الكثير من العلماء عن مشروعيتها وجوازها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اختلف الناس في أمر وأصر أحد المختلفين على الباطل بعد قيام الحجة, وسنذكر هنا مجموعة من أقوال العلماء في جواز ذلك.
ذكر ابن حجر [2] رحمه الله عدة فوائد في قصة وفد أهل نجران حينما جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها: مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة, وقد دعا ابن عباس إلى ذلك ثم الأوزاعي [3] ووقع ذلك لجماعة من العلماء, ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلاً لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة.
قال ابن حجر: ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة فلم يقم بعدها غير شهرين" [4] ."
(1) سورة البقرة الآية: (146 - 147) .
(2) ابن حجر العسقلاني هو: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد ابن حجر الكناني العسقلاني، ولد سنة (773 هـ) وتوفي سنة (852 هـ) ، من مصنفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، وتهذيب التهذيب. انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، المؤلف: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، طبع دار مكتبة الحياة بيروت، بلا (2/ 36) , وهدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين (1/ 69) مرجع سابق.
(3) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي. أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل. مات سنة (157 هـ) . انظر: تقريب التهذيب (3967) المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، (773 - 852 هـ) ، الناشر: دار الرشيد، سوريا، 1406 - 1986، الطبعة الأولى، تحقيق/محمد عوامة.
(4) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري، (8/ 95) مرجع سابق.