الْبَائِسَ، وَالضَّعِيفَ الْمُنَّةِ (الْمُنَّةُ، بِالضَّمِّ: الْقُوَّةُ وَالْجَلَدُ) وَالْغَنِيَّ الْمُتْرَفَ وَالْقَوِيَّ الْجَلَدَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ فَيَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا لَا يَشُقُّ عَلَى الْجُمْهُورِ، وَيَسْهُلُ عَلَى بَعْضِهِمْ مَا لَا يَسْهُلُ عَلَى الْجُمْهُورِ ; فَالرُّجُوعُ إِلَى الْعُرْفِ فِيمَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ، وَمَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ضَرُورِيٌّ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِمُعَاشَرَةِ النَّاسِ وَتَعَرُّفِ شُئُونِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ كَثُرَتِ الدَّوَاهِي فِي آرَاءِ الْفُقَهَاءِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ:"الْفَقِيهُ هُوَ الْمُقْبِلُ عَلَى شَأْنِهِ الْعَارِفُ بِأَهْلِ زَمَانِهِ"، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مِنَ التَّقْرِيبِ مَحَلُّهُ مَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا عُرْفَ مِمَّا يَقَعُ لِلْأَفْرَادِ فَيَسْتَفْتُونَ فِيهِ، وَأَمَّا نَوْطُ كُلِّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ بِآرَاءِ الْفُقَهَاءِ، فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَشَدِّ الْحَرَجِ وَالْعُسْرِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، حَتَّى صَارُوا يَتَسَلَّلُونَ مِنْهُ لِوَاذًا، وَيَفِرُّونَ مِنْ حَظِيرَتِهِ زُرَافَاتٍ وَأَفْذَاذًا، وَاسْتَبْدَلَ حُكَّامُهُمْ بِشَرْعِهِ قَوَانِينَ الْأَجَانِبِ، وَجَعَلُوا لَهُمْ وَلِأَنْفُسِهِمْ حَقَّ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ، وَنَسْخَ مَا شَاءُوا مِنَ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ. وَسَنَعُودُ إِلَى هَذَا الْبَحْثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
بَعْدَ مَا بَيَّنَ تَعَالَى هَذِهِ الْأَحْكَامَ وَقَاعِدَةَ رَفْعِ الْحَرَجِ الَّتِي تَمَّ بِهَا الْإِنْعَامُ، ذَكَّرَنَا بِمَا إِنْ ذَكَرْنَاهُ نَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لَهُ، وَالْمُوفِينَ بِعَهْدِهِ، فَقَالَ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أَيْ تَذَكَّرُوا يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ; إِذْ كُنْتُمْ كُفَّارًا مُتَبَاغِضِينَ مُتَعَادِينَ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْكُمْ بِالْهِدَايَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ إِخْوَانًا فِي الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، وَاذْكُرُوا مِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ ; أَيْ عَهْدَهُ الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ حِينَ بَايَعْتُمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمُكْرَهِ، وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ ; إِذْ قُلْتُمْ لَهُ سَمِعْنَا مَا أَمَرْتَنَا بِهِ وَنَهَيْتَنَا عَنْهُ، وَأَطَعْنَاكَ فِيهِ، فَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ، وَكُلُّ مَا جِئْتَنَا فَهُوَ مَعْرُوفٌ. أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَهْدَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَ النِّسَاءِ فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَهْدَ الرِّجَالِ، وَهُوَ فِي مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْقِتَالِ لِحِمَايَةِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ أَهْلِهَا، وَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ فِي قَوْمٍ أَخَذَ عَلَيْهِمْ