اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْطَى الْقِيَاسَ حَقَّهُ عَلِمَ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنَ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا. وَقَدْ كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، فَهَلْ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِدُونِ إِذْنِهِ؟ وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَأَنَسٌ يَمْسَحَانِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَلِهَذَا جَوَّزَ أَحْمَدُ هَذَا، وَهَذَا فِي الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَجَوَّزَ أَيْضًا الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ"انْتَهَى."
ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ مَنِ اشْتَرَطَ فِي الْعِمَامَةِ أَنْ تَكُونَ مُحَنَّكَةً ; لِأَنَّهَا يَعْسُرُ نَزْعُهَا، وَضَعَّفَهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ تَحْنِيكِ الْعَمَائِمِ طَرْدُ الْخَيْلِ وَالْجِهَادُ ; لِئَلَّا تَسْقُطَ، وَأَنَّ أَوْلَادَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَبِسُوا الْعَمَائِمَ بِلَا تَحْنِيكٍ، ثُمَّ كَانَ الْجُنْدُ يَرْبِطُونَ الْعَمَائِمَ بِالْكَلَالِيبِ أَوِ الْعَصَائِبِ. وَانْتَقَلَ مِنَ الْمُقَابَلَةِ وَالتَّنْظِيرِ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَعَلَى الْخُفِّ إِلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ، وَكَوْنِهِ يَكُونُ وَاجِبًا، وَإِلَى نَظَائِرَ أُخْرَى لَا مَحَلَّ لِذِكْرِهَا هُنَا. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ فِي بَابِ الْمَسْحِ أَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ وَأَقْرَبُهَا إِلَى السُّنَّةِ وَيُسْرِ الشَّرِيعَةِ، كَمَا أَنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ أَوْسَعُ فِي بَابِ الطَّعَامِ، وَكُلُّ مَا كَانَ أَيْسَرَ فَهُوَ إِلَى الْحَقِّ أَقْرَبُ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2: 185) وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي آخِرِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا.
شَرْطُ مَسْحِ الْخُفِّ لُبْسُهُ عَلَى طَهَارَةٍ: جَاءَ فِي إِحْدَى رِوَايَاتِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الْمُتَقَدِّمِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، أَنَّهُ قَالَ:"كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي مَسِيرَةٍ، فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهَوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا ; فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا". وَرَوَى الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، قَالَ:"قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَمْسَحُ أَحَدُنَا عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ". وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَاهُ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَسَّالٍ، قَالَ:"أَمَرَنَا - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَمْسَحَ"