هُوَ الْمُنْطَبِقُ عَلَى حِكْمَةِ الطَّهَارَةِ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي هَذَا الْبَابِ عَمَلُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقَوْلِيَّةِ، وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ:"تَخَلَّفَ عَنَّا، رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَنَا الْعَصْرُ، فَجَعَلْنَا نَتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، قَالَ: فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا"وَقَدْ يَتَجَاذَبُ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الطَّرَفَانِ، فَلِلْقَائِلِينَ بِالْمَسْحِ أَنْ يَقُولُوا إِنِ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَمْسَحُونَ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ كَانَ هُوَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ عَدَمَ مَسْحِ أَعْقَابِهِمْ، وَذَهَبَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَسْحِ، لَا بِسَبَبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى غَسْلِ بَعْضِ الرِّجْلِ، ذَكَرَهُ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْحَافِظُ، أَيِ ابْنُ حَجَرٍ:"وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا"وَفِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ:"فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ بِيضٌ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ"فَتَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَقُولُ بِإِجْزَاءِ الْمَسْحِ وَيَحْمِلُ الْإِنْكَارَ عَلَى تَرْكِ التَّعْمِيمِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا أَرْجَحُ، فَتُحْمَلُ عَلَيْهَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ بِالتَّأْوِيلِ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ: أَيْ مَاءُ الْغَسْلِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا لَمْ يَغْسِلْ عَقِبَهُ، فَقَالَ ذَلِكَ"انْتَهَى. وَهَذِهِ وَاقِعَةٌ أُخْرَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ الْمَسْحَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ; مِنْهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ:"اغْسِلُوا الْأَقْدَامَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ"وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:"قَرَأَ عَلَيَّ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَقَرَآ: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَسَمِعَ عَلِيٌّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ، وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: وَأَرْجُلِكُمْ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ مِنَ الْكَلَامِ. وَتَفْسِيرُ هَذَا مَا رَوَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ قَوْلِهِ. أَمَّا وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَيَقُولُ: اغْسِلُوا"