فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 334

عَلَيْنَا تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَبَرَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ لِهَذَا الْبَيْتِ، وَمَا كَانَا يَدْعُوَانِ بِهِ عِنْدَ رَفْعِ قَوَاعِدِهِ مِنْ جَعْلِهِمَا مُسْلِمَيْنِ لَهُ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَهُ، وَبَعْثِ رَسُولٍ مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُمَا كُلَّهُ فَكَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أُمَّةً مُسْلِمَةً مُوَحِّدَةً لَهُ تَعَالَى تُقِيمُ دِينَهُ فِي بَيْتِهِ وَفِي غَيْرِهِ كَمَا أَمَرَ، ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَطَرَأَتْ عَلَيْهِمُ الْوَثَنِيَّةُ، وَتَرَكَ جَمَاهِيرُهُمْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةَ، حَتَّى بَعَثَ فِيهِمْ مِنْهُمْ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، تَكْمِلَةً لِدَعْوَةِ جَدِّهِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَاوَمَ الْمُشْرِكُونَ دَعَوْتَهُ، وَصَدُّوهُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ بِجِوَارِهِ، ثُمَّ مَا زَالُوا يُقَاتِلُونَهُمْ فِي دَارِ هِجْرَتِهِمْ إِلَى أَنْ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَمَكَّنَهُمْ مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ، وَأَدَالَ لِلتَّوْحِيدِ مِنَ الشِّرْكِ، وَلِلْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ.

فِلَمَّا زَالَتْ وِلَايَةُ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَطَهَّرَهُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأَصْنَامِ، بَقِيَ أَنْ يُطَهِّرَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَأْتُونَهَا فِيهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الْوَجْهَ فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِينَ أَحَقَّ بِهِمْ، فَلَمَّا آذَنَهُمْ بِنَبْذِ عُهُودِهِمْ، وَأَمَرَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنْ يَتْلُوَ أَوَائِلَ سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) عَلَى مَسَامِعِ وُفُودِهِمْ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، كَانَ مِنْ مَقَاصِدِ هَذَا الْبَلَاغِ الْعَامِّ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمُ الشِّرْكِيَّةَ سَتُمْنَعُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ بِالتَّبَعِ لِزَوَالِ وِلَايَتِهِمُ الْعَارِضَةِ عَلَيْهِ، فَكَانَ عَلِيٌّ وَأَعْوَانُهُ يُنَادُونَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى: لَا يَحُجُّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. وَإِنَّمَا أَمْهَلَهُمْ إِلَى مَوْسِمِ السَّنَةِ التَّالِيَةِ لِفَتْحِ مَكَّةَ لِسَبَبَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ: (أَحَدِهِمَا) أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَصْحَابُ عَهْدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ، كَانَ مِنْ شُرُوطِهِ أَلَّا يُمْنَعَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَحَدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مِنْ أَهَمِّ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فَأَمْهَلَهُمْ إِلَى انْقِضَاءِ عُهُودِهِمْ بِنَبْذِ مَا جَازَ نَبْذُهُ، وَإِتْمَامِ مَا وَجَبَ إِتْمَامُهُ، وَلَمْ يَكُنْ إِعْلَامُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا فِي مَوْسِمِ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَثَانِيهِمَا) أَنَّهُ كَانَ يَتَعَذَّرُ مَنْعُ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُمْ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت