عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي كَلَامِهِمْ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ، وَهُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ، فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ جَعْلُهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُجُوبِ أَظْهَرَ.
وَالْفَرْضُ الثَّانِي مِنْ أَعْمَالِ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، وَهَلِ الْمَرْفِقَانِ مِمَّا يَجِبُ غَسْلُهُ، أَمْ هُوَ مَنْدُوبٌ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَنَقَلَهُ عَنْ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ، وَقَالَ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِمَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زُفَرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيُّ، فَمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ جَعَلَ"إِلَى"فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى"مَعَ"وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ جَعَلَهَا لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ. انْتَهَى. وَقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ غَايَةٍ حُدَّتْ بِـ (إِلَى) فَقَدْ تَحْتَمِلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ دُخُولَ الْغَايَةِ فِي الْحَدِّ، وَخُرُوجَهَا مِنْهُ، قَالَ وَإِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ الْقَضَاءُ بِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِيهِ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ فِيمَا بَيَّنَ وَحَكَمَ، وَلَا حُكْمَ بِأَنَّ الْمَرَافِقَ دَاخِلَةٌ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ عِنْدَنَا مِمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ بِحُكْمِهِ. انْتَهَى"."
وَلَكِنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ سِيبَوَيْهَ، حَقَّقُوا أَنَّ مَا بَعْدَ (إِلَى) إِنْ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا قَبْلَهَا دَخَلَ فِي الْحَدِّ، وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلُ، فَعَلَى هَذَا تَدْخُلُ الْمَرَافِقُ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ ; لِأَنَّهَا مِنَ الْيَدِ، وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ فِيمَا يَجِبُ صَوْمُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (2: 187) لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مِنْ نَوْعِ النَّهَارِ الَّذِي يَجِبُ صَوْمُهُ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَيَانٌ لِمَا فِي الْآيَةِ مِنَ الْإِجْمَالِ، وَنَازَعَ آخَرُونَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، وَلَكِنْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْسِلُ الْمَرْفِقَيْنِ، فَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ تَرَكَ غَسْلَهُمَا، وَالِالْتِزَامُ الْمُطَّرِدُ آيَةُ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ إِطَالَةُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ"أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى"