فَأَرَادُوا الْقُرْبَ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ أَفْضَلُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَوْقَاتِ وَعَدَمِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ، فَسَلَّاهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ: (تَكْتُبُ آثَارَكُمْ) يَعْنِي إِنْ فَاتَكُمْ بَعْضُ الْفَوَائِدِ يَحْصُلُ لَكُمْ بَعْضُ الْعَوَائِدِ، وَالْأَمْرُ بِلُزُومِ الدِّيَارِ لِمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ تَغْيِيرِ الدَّارِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَكْدَارِ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّمَا أَمْرَهُمْ بِالِاسْتِمْرَارِ لِئَلَّا يَخْلُوَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَيَصِيرَ مَحَلَّ الْإِمْكَارِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا عَدُّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ شُؤْمِ الدَّارِ بُعْدَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ (وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) : أَيْ: وَقْتُهَا أَوْ جَمَاعَتُهَا (بَعْدَ الصَّلَاةِ) : يَعْنِي إِذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ أَوْ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ يَنْتَظِرُ صَلَاةً أُخْرَى وَيُعَلِّقُ فِكْرَهُ بِهَا بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ يَنْتَظِرُهَا، أَوْ يَكُونَ فِي شُغْلِهِ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِهَا (فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ يُقَالُ: رَابَطْتُ أَيْ لَازَمْتُ الثَّغْرَ وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ لِمَا يُرْبَطُ بِهِ وَسُمِّيَ مَكَانُ الْمُرَابَطَةِ رِبَاطًا قَالَ الْقَاضِي: إِنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ هِيَ الْمُرَابَطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِأَنَّهَا تَسُدُّ طُرُقَ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّفْسِ وَتَقْهَرُ الْهَوَى وَتَمْنَعُهَا مِنْ قَبُولِ الْوَسَاوِسِ فَيَغْلِبُ بِهَا حِزْبُ اللَّهِ جُنُودَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ" [1] ."
(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ... » كتاب الطهارة» الحديث رقم 282