وبما أن الدعوة إلى الإسلام منوطة بالمؤمن قولا وعملا وتعاملا، فقد كان عليه أن يكيف نفسه عند مخاطبة غيره من أتباع الديانات الأخرى بما يناسب هذه المهمة، ويجعله قدوة حسنة لغيره فيما يدعو إليه، تسامحا ولين حديث وعشرة، وتجاوزا عن الأخطاء وعفوا عن الإساءة، وحوارا منطقيا مبنيا على العقل المتوازن السليم، والتناسب بين المقدمات والنتائج والمنطلقات والغايات، ولذلك بعد أن بين الحق سبحانه في الآيات السابقة ما ارتكبه اليهود في حق الرسول صلى الله عليه وسلم من غدر وخيانة ومحاولات اغتيال وتسميم لم يأذن له بأن ينتقم منهم أو يؤذيهم مع أنه كان في حالة نصر وتمكين وقدرة بعد أن فتح مكة ودانت له العرب، بل خاطبه الحق سبحانه بقوله: {وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} المائدة 13.
بذلك كان خلق العفو من أهم صفات الداعية إلى الإسلام، العفو الذي لا يستفزه غضب ولا يستثيره عدوان، ولا يستخفه جهل أو عصيان، وقد كان تعالى يأمر به نبيه صلى الله عليه وسلم كلما آذاه خصوم الدين من أهل الكتاب والمشركين، قال عز وجل: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} الأحقاف 35، وقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} الشورى 43، وقال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} فصلت 34.
وكان الأمر بالعفو في سورة المائدة تمهيدا للانتقال من تذكير المسلمين بعهودهم وضرب المثل لهم بمن نقضها قبلهم كما في الآيات السابقة، إلى تعليمهم منهج الدعوة إلى الله حسنَ أدب وجميلَ صفح وتسامح، وجدلا علميا حسنا لا تلغى فيه العقول ولا تهان فيه الكرامة، لذلك قال تعالى مخاطبا أهل الكتاب ومبينا مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم إليهم، وما جبل عليه من خلق كريم وخلال حميدة، وما ينبغي أن يكون عليه ورثة دعوته: