ولما زجر الحق سبحانه عن المعصية ورغب في الطاعة وحث على التوبة وبين أن العقوبة والعفو والرحمة والمغفرة بيده وحده لا يشاركه فيها عبد من عباده جنا أو إنسا أو ملاكا أو رسولا، أتبع ذلك ببيان وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} ليس على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا تبليغ رسالة الإسلام عقيدة وتشريعا، وقد أبلغكموها تامة كاملة، فلم يبق لكم حجة عليه، ولا لكم ما تجادلون به يوم القيامة بين يدي الله تعالى {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} يعلم دوافع تصرفاتكم وحقيقة معتقداتكم ونواياكم المعلنة والمضمرة.
ثم ختم الحق سبحانه بقاعدة تلُمُّ جزئيات هذه الأحكام الشرعية والتوجيهات الربانية في كلية جامعة مانعة هي ميزان القيم الإنسانية الراقية في المجتمع الإسلامي الرشيد فقال تعالى:
{قُلْ} يا محمد لهؤلاء المؤمنين {لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} والخبيث هو كل ما حرمته الشريعة من نية أو قول أو عمل أو شيء مستقذر، إما لأنه في ذاته قذر تعافه النفوس والطبائع السليمة، وإما لأن سبب الحصول عليه خبيث أو محرم، وإما لأنه مخل بالمروءة، أما الطيب فهو ما لم تحرمه الشريعة من الحسن في ذاته وفي طريقة كسبه، وفي رضا النفوس التقية والعقول المدركة السليمة به.
إن الطيب والخبيث لا يستويان في ميزان الله تعالى، والبون بينهما بعيد لا يسمح باجتماعهما لدى النفس التقية، ولئن أبدت الشهوات والأهواء أن الخبيث كثير ومحبب للنفوس، وأنه قريب من الطيب بنوع من التأويل المجحف أو القياس الفاسد الضال، فإنما ذلك من تلبيس الشياطين والأبالسة والعقول المريضة، وليس للمؤمن إلا أن يلزم الطيب ويجتنب الخبيث في أمره كله {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فاتقوا غضب الله وعقابه يا أصحاب العقول السوية، واعبدوه حق عبادته كي تفلحوا في الدنيا وتفوزوا في الآخرة.