فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 278

الْكَافِرِينَ أي لا يهديهم إلى سبيل لقتله أو إعاقته عن تبليغه، كما لا يهديهم إن ماتوا على الكفر إلى طريق الجنة، وفي الآية إشارة أخرى للنبي صلى الله عليه بأن ليس عليه إلا التبليغ، وأن الهداية من أمر الله تعالى، وهو ما قاله له أيضا في سياق آخر: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} البقرة 272، وَقَالَ {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} الرَّعْدِ 40.

لقد نزلت هذه الآية الكريمة وقد دانت لرسول صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب، ورُفع لواؤه فيها ولم يبق مستعصيا عليه إلا فئة من أهل الكتاب كانوا يستعلون على غيرهم بدعوى أن لديهم علما من السماء وأنهم أتباع أنبياء وأصحاب كتاب كما قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} البقرة 89، ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغهم حقيقة أمرهم وسفاهة ما هم عليه، وتفاهة استعلائهم بالباطل، وأنهم لا يرتفعون عن مستوى غيرهم من المشركين والوثنيين إلا إذا أقاموا في أنفسهم ومجتمعهم منهج الإسلام الحق كما ورد في التوراة والإنجيل والقرآن فقال عز وجل:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} أي قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين امتدت أيديهم إلى كتبهم بالتغيير والتبديل: لستم على شيء من الدين أو شيء من الحق والصواب والعقل والحكمة {حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} والإقامة الحقيقية للإنجيل والتوراة تعني العمل بما فيهما قبل أن يحرفهما الأحبار والرهبان، والإيمان بما بشرا به من نبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} وهو القرآن، أي وحتى تقيموا القرآن الكريم، الذي صدقهما وأثبت ما فيهما من أركان الاعتقاد والتوحيد ومن بشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم اسما صريحا وصفات واضحة، ونسخ ما اقتضت حكمة الله تعالى نسخه من أحكامهما. وفي التعبير عنه بأنه"ما أنزل إليهم من ربهم"دلالة على أنه أنزل أيضا إليهم ولأجلهم وأنهم مخاطبون به، وهو ما يعنيه قوله صلى الله عليه وسلم: (إنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت