تحت حاكمية منهجٍ واحد هو منهج الدين الواحد، دين إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وشريعةٍ محمدية غراء {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} المائدة 44، ويحكم بها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده، قال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} المائدة 49، بهذا المنهج وهذه الشريعة يوم القيامة يحاسبون وعلى أساسهما يكون جزاء المتقين: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} المائدة 69.
تحت مظلة هذه الأصول العقدية يتم تنزيل الأحكام الشرعية العملية تنزيلا واضحا بأسلوب حاسم لا لبس فيه، بما لا يشق على المؤمن أو يحرجه {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} المائدة 6، مع بيانِ مسؤولية الرسول صلى الله عليه وسلم في التبليغ بقوله عز وجل: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} المائدة 99، ومسؤولية ورثته من العلماء والدعاة إذا أدوا الأمانة ونصحوا للأمة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} المائدة 105، وبيانِ غناه تعالى عمن أعرض عن الدين أو ارتد بعد الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} المائدة 54، محذرا من يوم للجمع لا ريب فيه، يوم لا يعفى من السؤال نبي ولا مرسل، كلهم يشهدون على أقوامهم، قال تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} المائدة 109، وتختم هذه السورة المباركة بموقف مهيب يسأل فيه عيسى عليه السلام وهو الذي آتاه الله البينات وأيده بروح القدس، وهو الوجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين، موقف تقشعر له المشاعر وتذوب به المهج والأفئدة تنقله إلينا هذه الآيات الكريمة من قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ