فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 278

بإحدى بنات آدم، وتقرب هابيل بأحسن ماشيته فتقبله الله وتقرب قابيل بأردإ زرعه ولم يلق قبولا، فغضب وقتل أخاه، واكتفى القرآن الكريم بذكر ما يحقق الهدف من الحادثة، من دون تحديد لزمان وقوعها أو مكانه أو اسم لأحد الأخوين فيها، أو ذكر لأي تفاصيل ليست لها أهمية في المجال التربوي الذي سيقت له، وكذلك السنة النبوية إذ بينت أن وزر هذه الجريمة على من ارتكبها وعلى من سنها أول الأمر، تحذيرا للمسلم من أن يَسُن السوءَ فيُتَّبَع فيه، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تُقْتَل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها لأنه أول من سنَّ القتل) ، وقال: (من سن سنة حسنة عُمِل بها بعده كان له أجرُه ومثلُ أجورهم من غير أن يُنقَص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة فعُمِل بها بعده كان عليه وزرُها ومثلُ أوزارهم من غير أن يُنقَص من أوزارهم شيء) ، وليس لنا في مجال استخلاص العبرة من هذه الحادثة إلا أن نلتزم بالنص القرآني، نستقرئ تعابيره وإيحاءاته دون تَزيُّدٍ أو مبالغة، مبتدئين بأول إشارة إلى أصل الخلاف بين ابني آدم بقوله تعالى:

{إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} والقربان هو البِرّ الذي يتقرب به إلى الله تعالى، من فعل"قرُب قربانا"، مثل رجح رجحانا، وشكر شكرانا وكفر كفرانا وخسر خسرانا، ثم أطلق المصدر منه"قربان"على ما يتقرب به إلى الله من نُسُك أو صدقة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عُجرة: (يا كعب بن عجرة الصيام جُنة والصدقة تطفاء الخطيئة والصلاة قربان) . ولئن كان مضمون الآية يشي بأن ابني آدم كانا مؤمنين إذ قدما قربانهما لله كي يفصل بينهما، فإنها تكتفي بذكر هذا التقريب مجملا، فلا تبين صنفه ولا عدده ولا مكانه ولا كيفة تقديمه حرصا على عدم تحويل الحادثة إلى قصص للتسلية والتلهي، وحصرا لذهن المتلقي في العبرة منها، ووصولا به مباشرة إلى نتيجتها، بقوله تعالى عقب ذلك:

{فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} أي فتقبل الله قربان أحدهما ولم يتقبل قربان الثاني، أما كيف عرفا أمر القبول من عدمه فقد يكون وحيا لأبيهما آدم أو علامة من الغيب ظاهرة، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت